الشهب

إضغط هنا   لترى صورة لمجموعة من الشهب (عن ناسا)

http://leonid.arc.nasa.gov/meteor.html

   الشهب من قسم النيازك إلاّ أنّه يكثر فيها وجود العناصر القابلة للاشتعال كالكبريت والفسفور والصوديوم والبوتاسيوم والمغنسيوم . وهذه الأجرام عند اصطدامِها بجرمٍ آخر تلتهب تلك العناصر فتشتعل ، أو عند ملامستِها لشيءٍ آخر يتّحد معها ، مثلاً إنّ الصوديوم والبوتاسيوم إذا أصابَهما ماء اشتعلا من شدّة تفاعلِهما مع الماء ، وإنّ المغنسيوم والكبريت إذا أصابَهما نارٌ أو قدحة كهربائيّة جوّية اشتعلا , وإنّ الفسفور إذا لامس الأوكسجين يشتعل ، فالشهب لا تخلو من أحد هذه العناصر ، فإذا أصاب الشهاب ما يتّحد العنصر معه كالماء أو النار أو الأوكسجين فإنّه يشتعل ثم ّيسقط إلى الأرض أو يتمزّق في الفضاء قبل أن يصلَ إليها ، ويكون سبب سقوطه أنّه عند اشتعالِه صار جرماً ساخناً بعد ما كان بارداً ، وصار جاذباً بعد ما كان مجذوباً فحينئذٍ يريد أن يجذبَ الأرض فلا يستطيع لأنّ الأرض جرم كبير والشهاب جرم صغير بالنسبة لَها فيسقط حينئذٍ عليها .

   وقد ذكر لبيد بن ربيعة الشهب في إحدى قصائده فقال :

وما المرءُ إلاّ كالشهابِ وضوئِهِ     يَحورُ رَماداً بعدَ زَهوٍ ساطعِ

   فالشهب هي التي نراها ليلاً تشتعل في السماء ويمتدّ منها ضياءٌ كالحبلِ الطويل ، وقد جاء ذكرها في القرآن في سورة الصافّات قال الله تعالى {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي مشتعل . وقال تعالى في سورة الجن {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} .

   وكثيراً ما أهلك الله الأمم الكافرة بالشهب والنيازك والمذنّبات في قديم الزمان ، ومن ذلك قوم لوط أخذتهم الزلزلة ثمّ خسف الله بهم الأرض فصار عاليها سافلَها وغمرت منازلَهم المياه فصار ذلك الخسف بحيرة لسبب عمقِه حيث صار مصباً لِمياه الأمطار ، وأسقط الله تعالى على الباقين منهم حجارة النيازك والشهب ، وإلى اليوم آثار ذلك معروفة وهي بحيرة بفلسطين تسمّى (بحيرة قوم لوط أو البحر الميّت) وتحيط بِها أحجار النيازك والشهب ، قال الله تعالى في سورة هود {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ . مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} وقال تعالى في سورة سبأ {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} ، فالكِسَف معناها القِطَع ويريد بِها النيازك . وقال تعالى في سورة الطور{وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} .

   والشهب زينة للسماء وضياء في الظلام ورجومٌ للشياطين ، وفيها قال الشاعر :

إنّ الشهابَ شِهابٌ يُستضاءُ بِهِ     آناً وآناً رجوماً لِلشياطينِ

 

س 37 : إذا كانت الشهب تسقط إلى الأرض عند اشتعالِها ، إذاً ينبغي أن تتّجه بسقوطِها إلى جهةٍ واحدة ، فلماذا نراها تتّجه يميناً مرّةً وشمالاً أخرى .

ج : إنّ الشهب التي نراها في السماء لم تكنْ كلّها مجذوبة للأرض بل هي لجميع السيّارات ، فكلّ شهاب يسقط يتّجه نحو السيّار المجذوب له ، فما كان للمرّيخ فهو يتّجه نحوه وما كان للزهرة يتّجه نحوها وهكذا يختلف اتّجاه سقوط الشهب على اختلاف مواقع السيّارات في الفضاء .

 

 

 

 

الخسف والزلزال

إضغط هنا   لترى صورة (عن ناسا) لزلزال سان فرانسيسكو سنة 1989

http://pubs.usgs.gov/dds/dds-29/screens/006sr.jpeg

وإضغط هنا   لترى صورة أخرى لآثار هذا الزلزال

http://pubs.usgs.gov/dds/dds-29/screens/011sr.jpeg

 - المعلِّق .]

   تحدث الزلازل والبراكين بواسطة الغازات المضغوطة في جوف الأرض الناتجة من النار الملتهبة في باطنِها ، لأنّ الغازات تندفع فلا تجد لَها منفذاً ، فيهتزّ سطح الأرض اهنزازاً على مقدار ذلك الضغط ، وإذا اشتدّ هذا الاهتزاز وكانت هناك موادّ منصهرة في باطن الأرض كثيرة وحاولت الخروج وطاوعتها قشرة الأرض فهناك يكون البركان .

   وقد يعقب الزلزلة خسف ، فتخسف بقعة من الأرض في ذلك المكان ، وإذا كان الخسف عميقاً تفجّرَتْ منه ينابيع المياه وغمرت ذلك الخسف ، وقد تزداد المياه فتغمر تلك المنطقة كلّها .

   واعلمْ أنّ الله تعالى أهلك كثيراً من الأمم الكافرة في قديم الزمان بالزلزال والخسف والبراكين بسبب كفرِهم ، ومن هؤلاء قوم لوط أهلكهم الله تعالى بالزلزال والخسف فصارت بلادهم بحيرة لكثرة المياه التي غمرَتْ ذلك الخسف ، وإلى اليوم موجودة بفلسطين تسمّى (بحيرة قوم لوط أو البحر الميّت) كما ذكرْنا سابقاً .

   ومن تلك الأمم الكافرة قوم صالح وقوم شعيب أهلكهم الله بالزلزال ، قال الله تعالى في سورة الأعراف {فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} فقوله تعالى {أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} يعني رجفة الأرض وهي الزلزلة . وقال تعالى في  قوم شعيب في سورة الأعراف { وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ .}

   وكثيرٌ من الناس هلكوا في هذا العصر أيضاً بسبب الزلزال والخسف والبراكين ؛ وإليكَ نبأ تلك الحوادث :

1.     زلزلَتْ إسبانيا سنة 1884 فتخرّب من غرناطة سبعة آلاف منزل ، ومات فيها أكثر من 2000 تسعة .

2.     زلزلت اليابان سنة 1891 فتخرّب فيها أكثر من 4000 منزل ومات أكثر من 8000 نسمة .

3.     وفي سنة 1894 طغى الماء بسبب الزلزلة على بعض البلاد باليابان فأغرق آلافاً من أهلِها .

4.     وفي سنة 1902 زلزلت كشغر من تركستان فمات نحو ثلاثة آلاف نسمة .

5.     وفي سنة 1908 زلزل مضيق مسينا بإيطاليا فأتلفه ، وخرّب مدينتَي مسينا بصقلّية ورجيو بإيطاليا ، ومات بسببها آلاف من الناس كما بقي منهم آلاف بلا مأوى .

6.     جاء في البرق والبريد أنّه حدثت زلزلة تقشعرّ من هولِها الأبدان ، وذلك في 3 سبتمبر سنة 1923 ، فجاء فيها أنّ اليابان نُكِبَت اليوم بزلزال غارت به الجبال فصارت وهاداً ، وارتفعت البحار فصارت أطواداً ، وصهرت الصخور فصارت رماداً فما شعر السكّان به حتّى أصبحوا حمماً ، وهوت منازلهم فوقهم فصارت لهم رجماً ، فأصبحت مدينة يوكوهاما خراباً وطوكيو وهي العاصمة الجميلة صارت طعمة للنار وقد قُتِلَ في يوكوهاما وحدها أكثر من مائة ألف نسمة غير من قُتِلوا في طوكيو.

7.     ونشَرَت جريدة الأهرام المصريّة بتاريخ الأحد 25 يوليو سنة 1930 تحت عنوان

"نكبة الزلزال في إيطاليا

   وردت اليوم أنباء مناطق الزلزال تدلّ على اتّساع النكبة وعظم الأضرار ، فهناك ثمانية عشر إقليماً حلّ بمنازلِها الدمار في ولايات : افالينو، وباري ، وبنيفنتو، وكمبوياشو، وفوجيا ، ونابولي ، وشالرنو. ويوجد 142 بلدة أصيبت بكثيرٍ من الضرر .

   ويؤخذ من الأخبار الرسميّة أنّ عدد القتلى بلغ 1883 ومن بواعث الأسف أنّ هذا العدد سيزيد كلّما استُخرجَت الجثث من تحت الأنقاض ، ويجري هذا العمل ببطء لكثرة عدد المنازل المتهدِّمة وبسبب سوء حالة الطرق والمواصلات في بعض الجهات ، وهناك منازل أصيبَت بعطل شديد حتّى أنّها مستهدَفة للسقوط بين حين وآخر كما حدث لمباني سجن (ملفي) التي نُقِل المسجونون فيها إلى فوجيا .

   وقد وصل دوق درست ودوقة يويل إلى أفالينو لزيارة الأماكن المنكوبة وسافر الملك أمس من كونيو واجتاز بعد الظهر بقطارٍ خاص منطقة فوجيا ، وبعدما اطّلع على الأخبار الأخيرة عن حالة الجهات المنكوبة واصل سفره إلى منطقة (ملفي) وقد كان حضوره مشجِّعاً للسكّان ومعزِّياً لَهم ، وكان استقبالهم له مؤثّراً جداً ، وستجتمع الوزارة للبحث عن التدابير التي يجب اتّخاذها إزاء هذه الحالة ."

   "روما في 26 يوليو(لمراسل الأهرام الخاص) يؤخذ من الأخبار الواردة اليوم في المناطق التي اجتاحَها الزلزال أنّ عدد الموتى بلغ 2142 وعدد الجرحى 4551 ولكن لا مندوحة عن مواصلة البحث والتفتيش في المناطق التي لم يتمكّنوا من بحثِها بسبب سوء الحالة الجوّية وسوء المواصلات ، لذلك ستكون الأرقام النهائيّة للخسائر أكبر مِمّا ذُكر ، ولكن لا يمكن تحديدها ، والمنازل المتهدِّمة إلى الآن كثيرة ، ولكن هناك منازل كثيرة متداعية ولا مندوحة عن هدمِها ، وتقرّر أنّ الذين نجوا من الزلزال لا ينزلون في أكواخ من الخشب بل تحت الخيام منتظِرِين ترميم منازلِهم التي دُمِّرت بالزلزال ."

   "روما في 27 يوليو(لمراسل الأهرام الخاص ) نزلت كارثة جديدة بإيطاليا ، وهي لَمّا تكفكف دموعَها عن مصيبتِها في نابولي ،فقد هبّت زوبعة هائجة في منطقة ميلانو والبندقيّة ومقاطعة تريفيزيا وألحقَت بِها أضرار جسيمة ، وكان عدد القتلى في مقاطعة تريفيزيا وحدها 22 وأكثر من 100 جريح ، وانقطعت المواصَلات بين الجهات ، ولا يمكن تقدير مجموع عدد الضحايا والمنازل المتهدِّمة ، والأضرار التي لحقت ميلانو وفينيسيا كبيرة جداً ."

   نكتفي بِما ذكرناه من تدمير الزلزال للأموال والنفوس ، وقد قال الله تعالى سورة النحل {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} ، وقال تعالى في سورة هود {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} .

 

 

البراكين

http://volcano.und.edu/vwdocs/volc_images/img_etna.html

http://volcano.und.edu/vwdocs/volc_images/southeast_asia/indonesia/krakatau.html

   يتكوّن البركان من صدعٍ في الأرض ينفجر وتخرج منه أحجار وموادّ منصهرة وغازات وسوائل يتراكم بعضها فوق بعض على سطح الأرض فتكون على هيئة جبلٍ مخروطيّ الشكل على الغالب له قمّة عالية وفي قمّته فوهة ، تخترق إلى باطن الأرض ، وقد يكون في الجبل أكثر من فوهة واحدة كما في بركان أثينا الذي أحصِي فيه أكثر من 80 فوهة .

   أمّا علّة البركان فهي الحرارة الشديدة المستبطنة للأرض التي تصهر الموادّ وتبخِّر المياه وتحوِّل الجوامد إلى سوائل والسوائل إلى أبخرة وغازات فتمدّد هذه المواد بتأثير الحرارة ويضيق عليها المكان فتمزّق القشرة الرضيّة وتفتح فيها منفذاً تندفع منه إلى الخارج .

   وتُقذَف الموادّ الذائبة والغازات والحمم من باطن الأرض إلى علو شاهق ، وتتحوّل الأبخرة إلى أمطار غزيرة ثمّ إلى سيول عظيمة تكتسح البلاد كما وقع في جزيرة سيسيليا [:صقلّية] .

   وإذا ثار البركان سمعنا طقطقة في الجو وفي باطن الأرض وأصواتاً كالرعد وهناك تتطاير كتل الصخور العظيمة ، وتندلع ألسنة النار ، وتهلع النفوس .

1.     والمقادير التي تقذفها البراكين من الحمم والسوائل المحرقة أعظم مِمّا يتصوّره العقل ، فقد ذكر التاريخ أنّ الموادّ التي خرجت من بركان (تمبو) في جافانا سنة 1815 غطّت سطح البحر في دائرة بلغ قطرها 200 ميل ، وهذا ما يكفي أن يغطّي بلاد إيطاليا كلّها بطبقة من الموادّ البركانيّة علوّها قدمان ونصف .

2.     وثار بركان فيزوف بإيطاليا سنة 79 ق.م. فغطّى مدينتَي (بمبي) و(هركولانيوم) .

3.     وانفجر بركان في جزيرة (كركتوا) بالقرب من جاوة بينها وبين سومطرة ، فقطّعها إرباً ولم يبقَ منها إلاّ قسم صغير .

http://volcano.und.edu/vwdocs/current_volcs/krakatau/krakatau.txt

 

   وتكثر البراكين في اليابان .

   قال الله تعالى في سورة الأنعام {قُلْ هُو الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَومِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} ، فقوله تعالى {أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } يريد بذلك النيازك والصواعق والشهب والمذنّبات ، فهذه تأتي من فوق ؛ وأمّا قوله تعالى {أَومِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } يريد بذلك الخسف والزلزال والبراكين والغرق ، فهذه تأتي من تحت أرجلِهم ؛ وأمّا قوله تعالى {أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } يريد بذلك التفرقة والعداوة بينهم والحروب ، ومن ذلك الحربين العالميّتين اللتين هلكت فيهما ملايين من الناس .

   وإليك قصّة بركان انفجر سنة 1943، عن مجلّة المختار لشهر يناير سنة 1944 م :

 

"بركان ميشوكان

إضغط هنا   لترى صورة هذا البركان

http://volcano.und.nodak.edu/vwdocs/volc_images/img_paricutin.html

   كان (ديونيزيو بوليدو) فلاّحاً رقيقاً أُعتِق ، فاقتنى مزرعة صغيرة في ولاية ميشوكان على مائة وثمانين ميلاً إلى الغرب من مدينة المكسيك .

   ففي مساء السبت الموافق 20 فبراير سنة 1943 أتمّ ديونيزيو حراثة أرضه ووقف هنيهة يستريح ، وإذا به يرى فجأةً عموداً من الدخان الأبيض يصعد من جوف أرضه يتلوّى كالأفعى على بعد 50 ذراعاً أو ستّين من موطئ قدميه . وقد ظلّت تحدث في أرضه حوادث غريبة طوال ذبك النهار ، ففي الصباح الباكر رُجّت الأرض رجّة عنيفة ، ثمّ لاحظ وهو يحرث التراب تحت قدميه العاريتين أشدّ سخونةً مِمّا ألِفَ ثمّ ها هو الدخان الغريب ، فلمّا تقدّم لِيرى ما هو ، سمع جلجلة مكتومة "كأنّها فرقعة نزع السدّادة من زجاجة كبيرة" .

   وتكاثف عمود الدخان ، ثمّ تصاعد كأنّ قوّةً خارقةً قذفت به إلى السماء ، فَعدا ديونيزيو بين الغيطان عائداً لكي يأتي بِزوجته . ولكنّ أسرة بوليدو لم ترَ أرضَها مرّة ثانية . وبينما كان ديونيزيو يحثّ زوجته المندهشة المرتابة على الاستعجال ، إذْ زُلزلت الأرض زلزالاً عنيفاً سجّلَته أجهزة الزلزال في نيويورك على بعد 2250 ميلاً . وحين جمع ديونيزيو نفسه ونهض من بين أنقاض الكوخ وألقى نظرة على الغيطان رأى مزرعة الذرة تندلع منها النار وتنقذف منها الحجارة الكبار وأطنان من الرمل في الفضاء .

   وشقّت أسرة بوليدو طريقها متعثّرةً في أراضٍ ترتعد تحت أقدامِها إلى قرية باراكوتين القريبة فوجدَتها أنقاضاً . وكان الطريق مزدحماً بأقوامٍ تملّكَهم الذعر في فرارهم طلباً للنجاة ، وكانت الملاءات والشالات مختلطة بالملابس ، والأمتعة مكدّسة على عربات النقل ، وكان القسّيس ينادي الأشدّاء من الرجال لينقذوا التمثال .

   ثمّ يسدل الليل ستاره مرّةً أخرى على باراكوتين ، لأنّ البركان الذي كان قبل هنيهة مزرعة ديونيزيو بوليدو، قد أضاءت نيرانه تلك المنطقة ، برغم ستار الدخان الكثيف الخانق من أبخرة الكبريت . كانت ألسنة اللهب تندلع في الفضاء ، ومقادير من الصخر قد ابيضّت من شدّة الحرارة ، تنقذف ألف قدم في الجو، وخلال ذلك كانت تنفجر انفجارات عنيفة تميد الأرض بِها وتمور .

   وكان الهدير المدوّي لا ينقطع كأنّ "مئات من المدافع تنطلق معاً" على ما جاء في تقرير السلطات الرسميّة . وبلغت سُحُب الرماد الدقيق الأسود سطوح المنازل في مدينة المكسيك على بعد مائة وثمانين ميلاً .

   ولكنّ الهول الذي تلا ذلك كان أعظم : ففي الليلة الثالثة انشقّ مخروط البركان وهو كتلة كبيرة حامية كالياقوت الأحمر وقذف بالسيل الأوّل من اللابة (الحمم المصهورة) وقد خرجت تغلي من جوف الأرض كأنّ ألوفاً من أفران صهر الحديد قد اندلعت معاً وتدفّقت على الحافّة ثمّ جَرَت على الجوانب في مجرى مندفع عمقه عشرون قدماً وعرضه مائتا قدم ، وهو يتحوّل رويداً رويداً من أبيض يبهر النظر إلى أحمر قاني ، خلال جريانه في الوادي ، حاملاً الموت الزؤام لكلّ ما يقف في طريقه .

   فابتدر رجال الحكومة وعلماء طبقات الأرض والصحفيّون والمصوِّرون إلى الوادي المصاب  بهذه الكارثة وأقدموا على السير إلى مزرعة ديونيزيو، علة قشرة الّلابة التي أخذت تجمد ، بعد ما غطّت قرية باراكوتين فدنَوا من ستار النار الذي يحيط بجحيم تلك المزرعة ، فلبِثوا هناك أيّاماً يدرسون هذه الظاهرة العجيبة ، ظاهرة ولادة أوّل بركان في نصف الكرة الغربي بعد سنة 1759 .

   وقد جاءت ستّ فترات بعد ولادة هذا البركان خمد فيها النشاط البركاني بعض الخمود ، ولكن كان يعقب كلّ فترة انفجار قوي يرعب القرى البعيدة ويُرهبها ، وكانت المرّة السادسة في 10 يونيو، وعندئذٍ شقّ باراكوتين وهو الآن إسم البركان كأساً كبيرة جديدة على مئات من الأقدام من الكأس الأولى ، وقذف نهراً من اللابة المصهورة في وادٍ آخر . وجرى النهر في البدء ألف قدم في اليوم . ولكنّه أخذ في الاتّساع ، وزاد اتّساعه بعد شهر حتّى خفّت سرعة جَرَيانِه ، فلم تَزِدْ على عشرة أقدام في اليوم .

   وقد دُفِنَ هذان الواديان الآن تحت طبقات كثيفة من اللابة والصخور والرماد البركاني . وبركان باراكوتين نفسه يرتفع 1200 قدم فوق مستوى السهل الذي انبثق منه ، وسمكُه عند قاعدته ثلاثة أرباع ميل .

   وحين طِرتُ قاصداً البركان كان ما لاحظته ذلك الدمار الذي أحدثه على مسافة 75 نيلاً منه . فالرماد الأسود يغشى الآن ما كان من قبل أوديةً خضراً وسفوح جبالٍ نضِرة . وقد زالت حدائق وبساتين ، ودفنت مبانٍ وكنائس ، فلا ترى إلاّ بعض أبراجِها وغاضت ينابيع ، وغدا نهر كوباتيتزو نهراً من الوحل بطيء الجرَيان .

   ثمّ لا تلبث أن ترى عموداً ضخماً من الدخان يتلوّى في الفضاء صاعداً من كأس البركان ، وقد بلغ ارتفاعاً لا يُصدّق هو 20000 قدم . وبعد كلّ أربع ثوانٍ تنقذف  مقادير جديدة من الدخان ، وأطنان من الصخور مزمجرَةً في الفضاء ، ويفور تيّار عظيم من اللابة الحامية الحمراء إلى ارتفاع ألف قدم ، ثمّ يندلق على حافّة المخروط ، جارياً على جوانبه في أخدودَين .

   وقد أقفلت نوافذ الطائرة تجنّباً للحرارة الشديدة والحجارة الحامية المتطايرة ، ولكنّ ذلك لم يمنع تسرّب الدخان الكبريتي الخانق (غاز ثاني أوكسيد الكبريت) الذي لا يلبث أن يحملك على السعال ، فالدخان المتدافع والصخور المتطايرة (ومنها قطع أكبر من الطائرة) واللابة الملتهبة كلّ هذه تجعلك تلهث رَوعةً ورهبةً حين تدنو الطائرة في هبوطِها من البركان .

   وقد نزلنا في قرية أوروابان على عشرين ميلاً من البركان . ويعلو هذه القرية طبقة كثيفة من الغبار البركاني ، تصير ردغة لزجة حين يسقط المطر عليها . وهناك سقوف كثيرة أخذت تعنو تحت ثقل الرماد المجتمِع عليها ، وهو أسرع في تجمّعه من قدرة الفلاّحين على إزالته . ويبلغ عدد المتفرّجين 500 في اليوم ، يزدحم بِهم المكان في باراكوتين الذي أصبح رسمياً من مناطق السياحة . وتجري مركبات الأوتوبيس إلى قرية أروابان ، على أنّ الطريق إليها في الأميال العشرة الأخيرة في حاجة دائمة إلى تنقيها مِمّا يكسوها . ثمّ يمضي المتفرّجون بالسيّارة أو على البغال إلى الحدود التي عيّنتها الحكومة ، لِما تعدّه منطقة الأمان حول البركان ، وهي بوجهٍ عام تبعد ميلاً عن محيط قاعدته .

   وهناك على حافّة هذه المنطقة قرية يدعوها الأهلون (سان جوان) وليس بعدها إلاّ رماد وحمم ورعد ووحشة . والحكومة المكسيكية موقنة بأنّ (سان جوان) مقضيٌّ عليها ، وقد حاولَت أن تُجلي أهلَها عنها ، ولكنّهم يأبَون برغم اضطرارِهم إلى مكافحة الرمال ليل نهار ، فهم يكسبون من المال الآن مبالغ لم يرَوا لَها مثيلاً من قبل : من إعداد الطعام للروّاد ، وتجهيز البغال والخيل لهم ، والقيام بعمل الادلاء والترجمة .

   وليس في منطقةٍ مساحتها مائة ميل مربّع حول البركان شيءٌ أخضر أو ورقة أو عشب ، وعلى بعد خمسين ميلاً منه تذوي النباتات الغضّة ولا تعيش إلاّ القويّة كالأشجار . وقد حلّت الكارثة بسبع قرى كانت شديدة الخصب ، فالعصافير تَهوي من الجو لا حراكَ بِها ، والماء نادر لأنّ الينابيع قد جفّت أو غاضَت . وقد بعث وزير الإغاثة طائفة من الأطبّاء والممرّضات والعمّال الاجتماعيّين لإيواء ثمانية آلاف نفس اضطرّهم البركان الوليد للجلاء عن أرضِهم .

   والنهاية لم تأتِ بعد ، فليس هناك ما يُشير إلى أنّ نشاط باراكوتين آخِذٌ في الخمود ، والانفجارات القويّة تتوالى قاذفةً في الفضاء مقادير كبيرة من الصخور الحامية ، ثمّ تسقط على مخروط البركان فيرتفع ويرتفع ، ومعدّل ارتفاعِه يدلّ على أنّ المادّة المنقذفة من جوفِهِ لمْ تقلّ ؛ فاللابة تندفع في الفضاء ثمّ تهوي وتجري على جوانبِه ، و هويّها يبدو في الليل كشلاّلٍ من النار ، والمكسيكيّون يقولون "إنّ الجحيم لم يَزَل طليقاً" . انتهى ما نقلته من مجلّة المختار .

 

 

الشمس

إضغط هنا   لترى صورة لجزء من سطح الشمس (عن ناسا)

 http://www.nasa.gov/images/content/171879main_LimbFlareJan12_lg.jpg

   الشمس جرم ملتهب كروي ، تدور حول نفسِها من اليمين إلى الشمال ، وتكمل دورتَها بمدّة 25 يوماً و5 ساعات ، وقد استدلّوا على دورتِها بواسطة بقع على سطحِها ، فرأَوا تلك البقع تسير من اليمين إلى الشمال وبعد 25 يوماً و5 ساعات تصل إلى محلِّها الأوّل ، فعرفوا أنّ الشمس تدور حول نفسِها  وتكمل دورتَها بِهذه المدّة . وقدّروا حجمَها أكبر من الأرض بمليون مرّة ، ولكنّها تتقلّص كلّما قلّت حرارتُها وبرد وجهُها وبذلك يصغر حجمُها لأنّها قد هرمت ودنا أجلُها 1  

   والشمس جرمٌ جاذبٌ للسيّارات وتوابعها من الأقمار والنيازك ، والجميع يسمّى "المجموعة الشمسيّة" . والشمس ثابتة في مكانِها والسيّارات تدور حولَها ، ومنشأ الشمس من النجوم ،أي أنّها كانت من إحدى النجوم فجذبت إلَيها من الأحجار النيزكيّة فصارت شمساً ، حيث أنّها أخذت تنمو وتكبر بواسطة النيازك التي انجذبت إليها ، والخلاصة أنّها كانت نجمة فأصبحت شمساً .

   وسوف تنتهي حياتها كما انتهت حياة من قبلها من الشموس 2  فحينئذٍ يقلّ ضوؤها ثمّ يبرد وجهها بمدّة ألفي سنة فتكون أرضاً ، ثمّ تنفجر وتكون تسع عشرة قطعة وتنجذب إلى أقرب شمسٍ لَها ، ثمّ يبرد وجه تلك القطع تماماً فتكون سيّارات تدور الشمس الجديدة ثمّ يخلق الله تعالى فيهنّ أحياءً وتكون أراضي مسكونة كأرضنا ؛ وهكذا كلّما انتهت حياة السيّارات تمزّقت فصارت نيازك وقامت تلك الشمس الميّتة مقامَهنّ فتكون سيّارات جديدة . وأمّا النيازك فإنّها تتمزّق أيضاً وتكون ذرّات منتشرة في الفضاء ، وما يبقى من لنيازك تجذبُها الشمس إليها .

   وعلى هذا المنهج فالكون مستمرّ ؛ حيث كلّما تمزّقت مجموعة شمسيّة قامت أخرى مقامَها . قال الله تعالى في سورة التكوير {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ، ومعناها تقطّعت وصارت كراتٍ عديدةً أي صارت سيّارات كرويّة . فكُوِّرَتْ معناها تقطّعت ، ومن ذلك قول حسّان :

وما الفخرُ إلاّ أنْ تكونَ عِمامتي     مكوّرَةَ الأطراف بِالصارِمِ الهِندي

والمعنى : وما الفخر إلاّ أنْ أدخلَ الحرب فأضربَ الأعداء ويضربوني حتّى تتقطّع عمامتي بسيوفِهم . وقال عزّ من قائل في سورة إبراهيم {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} ، فالأرض هنا يريد بها كلّها ، والمعنى : يوم تبدّل الأرض التي تمزّقت فصارت سيّارات بأرضٍ غيرها تقوم مقامَها فتكون سيّارات أيضاً ، وهي شمسنا الحاليّة تنتهي حياتُها ثمّ تنفجر فتكون سيّارات ؛ قال الله تعالى في سورة المدثر {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} ، فسَقَر هي الشمس الجديدة التي تظهر بعد انفجار شمسنا الحاليّة وهي جهنّم التي يتعذّب فيها الكافرون يوم القيامة ، وأمّا قوله تعالى {لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ} أي تتراءى للناس اليوم من بعيد ، والمعنى إنّ الناس يرَونَها كنجمة صغيرة لأنّها بعيدة عنهم ، ومن ذلك قول حسّان بن ثابت :

وأسمرَ كلّما رَفَعَتْه كفّي     يَلوحُ سِنانُهُ مثلَ الهلالِ

وقال عنترة :

ورمحي السمهريُّ لهُ سِنانٌ     يَلوحُ كمِثلِ نارٍ في يفاعِ

وأمّا قوله تعالى {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} أي عليها ثقل جاذبيّة تسعة عشر جرماً ، وذلك لأنّ شمسنا إذا انفجرت تكون تسع عشرة قطعة فتجذبهنّ سقر . وقال تعالى أيضاً في سورة المدثر{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} ، أي أنّ سقر من إحدى الشموس الكبيرات الأحجام . وقال تعالى في سورة الأعلى {وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى . الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} ، فالنار الكبرى هي سقر لأنّها أكبر من شمسنا .

--------------------------------------------------------

1  جاء في الصحيحين قال النبيّ (ع) : "لا تزال جهنّم يلقى فيها وتقول هل من مزيد ، حتّى يضع ربّ العزّةِ فيها قدمه ،فينزوي بعضها إلى بعض" . فقوله "حتّى يضع فيها قدمه" أي حتّى يمضي علَيها وقت طويل وتكون قديمة العهد فحينئذٍ ينزوي بعضها إلى بعض ، يعني تتقلّص ويبرد وجهها وتكون لها قشرة أرضيّة .

2 جاء في إنجيل متّي الإصحاح الرابع والعشرين قال : "وللوقت بعد ضيق تلك الأيّام تظلم الشمس والقمر لا يُعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السماء وقوّات السماوات تتزعزع " يعني الجاذبيّة تتضعضع .

  

س 38 : إذا نظرنا إلى الشمس وقت شروقِها نراها أكبر مِمّا في وقت الضحى بأربع مرّات ، وكذلك نراها وقت الغروب ، فما هو سبب ذلك ؟

ج : إنّ الشمس إذا أشرقت تكون أشعّتها أفقيّة أوّل الأمر فلذلك نراها كبيرة ، لأنّ أشعّتها تضرب إلى السماء ، وكلّما دارت الأرض وارتفع النهار تأخذ أشعّتها في الانعكاس فتكون عموديّة نحو الأرض فحينئذٍ نراها صغيرة ، وكذلك تكون وقت الغروب .

   وإليك تجربة  تعرّفك صحّة ذلك ، خذ كأساً من الزجاج واملأه ماءً ، ثمّ ضع في قعره درهماً ، فإنّك إذا نظرتَ إلى الدرهم من فوهة الكأس تراه كما هو، ولكن إذا نظرتَ إليه من خلف الكأس تراه كبيراً ، وكذلك رؤيتنا للشمس وقت الشروق والغروب .

 

س 39 : لماذا تكون حرارة الشمس وقت الشروق والغروب أقلّ من باقي الأوقات ؟

ج : إنّ السبب الذي جعلنا نرى الشمس كبيرة وقت الشروق والغروب هو الذي جعلها أقلّ حرارةً في هذين الوقتين ، لأنّ الشمس تكون أشعّتها أفقيّة نحو السماء ، فيصل إلينا قليلٌ من حرارتِها ، ولكن وقت الضحى تكون أشعّتها عموديّة نحو الأرض فلذلك تكون ساخنة .

 

س 40 : لماذا تكون حرارة الشمس في الصيف شديدة وقليلة في الشتاء ؟

ج : إنّ سبب الأوّل والثاني كان منه الثالث أيضاً ، لأنّ أشعّة الشمس في الصيف تكون عموديّة نحو الأرض فتتّجه الحرارة نحوها ، ولكنّها في الشتاء تكون أفقيّة فتتّجه حرارتُها نحو السماء فلا يصيب الأرض منها إلاّ القليل وبهذا السبب يكون الصيف والشتاء .

 

س 41 : تقول إنّ الشمس ثابتة والأرض تدور حولَها وكذلك باقي السيّارات ؛ إذاً فما معنى قوله تعالى في سورة ي س {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ؟

ج : لقد قرأ الحسن وابن عبّاس وعلي بن الحسين وأبو جعفر الباقر وجعفر الصادق وعكرمة وابن مسعود وعطا ، فهؤلاء كلّهم قرأوا {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها} ، والمعنى أنّ الشمس لا تزال تدور حول نفسِها لا مستقرّ لَها ، أي لا تقف عن الحركة حتّى لو تشقّقت ، وذلك لأنّها إذا تشقّقت تكون سيّارات ، والسيّارات تدور أيضاً حول نفسِها وحول شمسٍ جديدة ، ولا يكون لهنّ مستقرٌّ حتّى ولو قامت قيامتهنّ وتمزّقنَ ؛ وذلك لأنّ السيّارات إذا تمزّقت تكون نيازك ، والنيازك لا مستقرّ لَها لأنّها تدور حول السيّارات الجديدة حتّى تتمزّق وتكون هباءً منثوراً .

   والدليل على ذلك قوله تعالى {مُسْتَقَرَّ لَها} ولم يقلْ "مقرّ لَها" لأنّ المقرّ هو المكان الذي يقيم بهِ الإنسان أو غيره ، وأمّا الاستقرار فهو الراحة بعد التعب والسكون بعد النصَب ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان في وصف أهل الجنّة {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} ، فالمستقر يريد به الراحة ، والمقام يريد به المكان الذي يقيمون فيه ، والمعنى : حسُنت فيها راحتهم وحسن مكانهم . وقال تعالى في سورة الأعراف في قصّة موسى {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ، فإنّ الجبل لم يستقرّ بل أخذ يرجف حتّى تهدّم وخرّ موسى صعِقاً ، وكذلك قوله تعالى في عرش بلقيس {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} .

   ولفظة "تجري" نُطلق على كلّ حركة سواءً كانت سيراً أم ذهاباً وإياباً أم استدارة , ومن ذلك قول عمرو بن عديّ اللخمي :

صَدَدْتِ الكأسَ عنّا أمَّ عمرو    وكانَ الكأسُ مَجراها اليَمينا

فقول الشاعر " مجراها اليمينا " أي تدور نحو اليمين ، لأنّ أمّ عمرو كانت تسقي واحداً بعد الآخر حتّى وصلت إلى عمرو بن عديّ فصدّت عنه ولم تسقِهِ . وقال عنترة :

ظَعَنَ الذينَ فِراقَهم أتوقّعُ     وجرى بِبَينِهِمُ الغرابُ الأبقعُ

فهذا معنى {لا مُسْتَقَرَّ لَها} ، أمّا إذا أخَذْنا بِظاهر الآية فيكون المعنى : أنّ الشمس تدور حول نجمٍ ثابت أكبرَ منها وهو جاذبٌ لَها ، وذلك قوله تعالى {وَالشَّمْسُ تَجْرِي} أي تسير وتدور {لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} أي : حول نجمٍ مستقرّ لا يجري وهو جاذبٌ لَها . وقد أعلن علماء الفلك بأنّ الشمس مع توابعِها تدور حول نجمٍ ثابت أكبر منها بكثير وموقعه في الثريّا وتكمل دورتَها حوله بمدّة ثلاثين سنة .

 

س 42 : إذاً فما معنى قوله تعالى في سورة الكهف {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا} ؟

ج : إسكندر المكدوني [هو إسكندر الكبير الملقّب بذي القرنين ، توفّي في بابل ، تعلّم على يد أرسطوطاليس ، تبوّأ الحكم الملكي في مكدونيا محلّ فيلبس أبيه ، وعزم على فتح امبراطوريّة الفرس فكسرهم في آسيا الصغرى (أبسوس 334 ق م ) ، ثمّ في سواحل فينيقيا (بعد أن حاصرَ صور سبعة أشهر ) ، ثمّ في مصر (أسّس الاسكندريّة) ، أخيراً ضيّق على داريوس في العراق فانتصر عليه في أربيل (331 ق م ) ، وتابع زحفه إلى أطراف فارس وتجاوزها إلى ضفاف نهر هندوس . وذو القرنين من أعظم الغزاة وأشجعِهم .

   وقد تنبّأ عنه النبي دانيال قبل مولده وذلك في الإصحاح الثامن من سِفر دانيال من مجموعة التوراة ؛ فرأى كبشاً له قرنان طويلان ينطح بِهما ، فنطحَ غرباً وشمالاً وجنوباً فلم يقفْ حيوانٌ أمامه ولا منقذَ من يده وفعلَ كما يريد . فلذلك لُقِّب بذي القرنين .]

    لمّا وصل إسكندر  إلى الغرب أي إلى الحبشة وجد سكّان ذلك القطر يعبدون الشمس ، وذلك أنّهم يجتمعون خارج المدينة وقت غروبِها وهم ينظرون إليها ويرتّلون الأناشيد الدينيّة ، فإذا كادت تختفي عن الأنظار سجدوا لَها بأجمعِهم ، وكانت لهم ملكة سوداء تؤمّهم فيتبعونَها في ذلك .

التفسير : 

{حَتَّى إِذَا بَلَغَ} إسكندر {مَغْرِبَ الشَّمْسِ} يعني وصل ذلك المكان وقت غروب الشمس {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} أي وجده تغرب في مراقبة امرأة سوداء ، وهي ملكتهم ، والمعنى : وجدها تغرب على قومٍ يراقبون الشمس عند غروبِها ويسجدون لَها ولهم ملكة سوداء تؤمّهم فيقلّدونَها .

   فالعين يريد بِها المراقبة يقال " فلان في عيني" أي في مراقبتي . قال الله تعالى في سورة هود{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} أي بمراقبتنا ووحينا ، وقال تعالى في سورة القمر{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ} وقال تعالى في سورة الطور{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} يعني في مراقبتنا . وقال الحاجري :

أخاف عليها من عيونِ وشاتِها     وآخذُ عنها حينَ تقبلُ جانبا

والمعنى أخاف من مراقبة وشاتِها .

وقال عمرو بن كلثوم :

تريكَ إذا دخلتَ على خلاءٍ     وقد أمنَت عيونَ الكاشحينا

وقال أيضاً :

بِيومِ كريهةٍ ضرباً وطعناً     أقرَّ بِهِ مواليكِ العيونا

وقال جرير :

ونرهبُ أن نزوركمُ عيوناً     مصانعةً لأهلِكِ وارتِقابا

   و"الحمِئة" معناها السوداء ، يقال "تحمّم الجدار" أي صار أسود من الدخان ، ويقال "حَمَّم الغلام" أي بدت لحيته ، و"الحُمَم" هو الرماد والفحم وكلّ ما احترق بالنار . ومن ذلك قول جرير :

عاذت بِربِّكَ أن يكون قرينُها     قيناً أحمَّ لِفَسوِهِ إعصارُ

فالقين هو الحدّاد ، وقوله "أحمّ" يعني تلطّخ بِسواد الفحم ودخان النار وصدأ الحديد .

   وقوله تعالى{وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا} يعني : وجد الإسكندر عند المرأة السوداء قوماً يفعلون كفِعلِها ، {قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} وهذه كنية الإسكندر {إِمَّا أَن تُعَذِّبَ} هؤلاء القوم الذينَ يعبدونَ الشمس إنْ لمَ يؤمنوا ، {وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} إذا آمنوا وانقادوا لأمرنا .

   فالعين يريد بها  المراقبة وليس المراد بِها عين ماء ، والدليل على ذلك  قوله تعالى عند شروقِها {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا} ؛ فلو كان المراد بالعين عين ماءٍ لقال " وجدها تخرج من عينٍ" ، ولكن معنى الكلام : وجدها تغرب على قومٍ هذه صفتُهم وتطلع على قومٍ تلك صفتُهم ، فإنّه تعالى أراد بذلك وصف القوم لا وصف الشمس ، والطلوع معناه الظهور للعيان ، ومن ذلك قول عنترة :

أنا الهِزَبرُ إذا خيلُ العِدا طَلَعَتْ     يومَ الوغى ودماءُ الشوس تندفقُ

 

س 43 أ : فهل في الفضاء شمسٌ غيرُ شمسِنا ؟

ج : إنّ الشموس كثيرة ولكن لِبعدِها عنّا نراها كالنجوم .

 

س 43 : إذاً ينبغي أن تكون لِها سيّارات تدور حولَها كما لشمسِنا سيّارات!

ج : ليس لَها سيّارات لأنّها لم تتلقّح ، وليس في الكون مجموعة شمسيّة سوى مجموعتنا ، ولكن إذا تمزّقت قامت أخرى كما قامت شمسنا مقام التي قبلَها .

 

س 44 : فهل للشموس تلقيح ؟

ج : تلقيحها أن تجذب إلَيها قطعة أرضيّة كَنيزك أو شهاب أو غير ذلك من الأقمار المتمزّقة أو السيّارات ، فتأخذ تلك القطعة في النمو والازدياد شيئاً فشيئاً حتّى تصبح تلك الشمس جرماً جامداً بعد أن كان غازيّاً ، وذلك لأنّ القطعة تكون نواةً لتلك الشمس ، فتجتمع حولَها ذرّات من مادّة الشمس حتّى يبرد وجهُها فتصبح أرضاً ، ثمّ تنفجر فتكون سيّارات . فالشمس التي لم تتلقّح تبقى جرماً غازيّاً كسائر النجوم ، كما أنّ أزهار الفواكه لا تكون فاكهةً إذا لم تتلقّح . قال الله تعالى في سورة الذاريات {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

   واعلم أنّ أوّل أرضٍ خلقها الله تعالى كانت صغيرة لأنّها تلقّحت من الذرّات عندما كانت شمساً ، ولّمّا انتهت حياتُها تمزّقت فجذبتها أقرب شمس لَها وتلقّحت بأحجارها ، وإنّ الشمس الثالثة جذبت أحجارها من الثانية والأولى ، والرابعة جذبت أحجارها من الثالثة والثانية ، وهكذا أصبحت شمسنا التاسعة ، وعلى ذلك فقد كانت الأرض الأولى صغيرة ، وأمّا الثانية فكانت أكبر منها لأنّها جذبت من الأحجار أكثر ، وأمّا الثالثة فهي أكبر من الثانية ، وهكذا أخذت الأراضي في النمو والازدياد حتّى أصبحت أرضنا تسعة سيّارات وذلك لِسعتِها لأن!ها جذبت من النيازك والأحجار أكثر مِمّن قبلَها .

   وستكون شمسنا الحاليّة تسعة عشر سيّاراً إذا انتهت حياتُها وذلك لسعتها ، ثمّ إنّ الشمس التي بعدها تكون أكبر من شمسنا الحاليّة ، ولذلك قال الله تعالى فيها في سورة المدثر {إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} أي أنّها من إحدى الشموس الكبيرات الأحجام ، وقال تعالى في سورة البقرة {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ؛ فالنار هي شمسٌ من الشموس وهي التي اسمُها (سقر) ، وهي التي تجذب شمسنا بعد انفجارها ، فقوله تعالى { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} ، يعني أحجار النيازك لأنّ الشمس تجذبُها إلَيها . وقال تعالى في سورة التحريم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} ، فالحجارة يريد بِها حجارة النيازك .

 

س 45 : قال الله تعالى في سورة فصلت {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ، فلماذا يقول {خَلَقَهُنَّ} على الجمع وهما اثنان ؟

ج : قوله تعالى { لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ} يريد بذلك جنس الشمس وجنس القمر ، والمعنى : لا تسجدوا لشمسٍ من الشموس ولا لقمرٍ من الأقمار ، وإنّما أفرَدَ ذكر الشمس وذكر القمر لأنّ أهل الأرض لهم قمرٌ واحد ويَرَوْنَ شمساً واحدةً ، وتقدير الآية يكون هكذا : لا تسجدوا للشمس التي ترَونَها ولا للقمر الذي ترَونه ، ولكن اسجدوا لله الذي خلقَ الشموس والأقمار إنْ كنتم إيّاه تعبدون .

 

 

ذوات الذنب

إضغط هنا   لترى صورة مذنّب هيل بوپ/ 1997 (عن ناسا)

http://www2.jpl.nasa.gov/comet/news106.html

   إنّ ذوات الذنب هي المعروفة عند العامّة (نجمة أمّ ذويل) ، وتسمّى "المذنّبات" أيضاً ، فهي أجرام ناريّة ملتهبة تسبح في الفضاء ، ومنشؤها من الشمس ، أي أنّها شرارات تساقطت من الشمس فأخذت تسبح في الفضاء ، وهي لا تدور حول نفسِها كما تدور الأجرام الكرويّة الساخنة ، بل تسير سابحةً في الفضاء ، وذلك لأنّها أجرام مستطيلة ، قال الله تعالى في سورة المرسلات {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ}، فقوله تعالى {إِنَّهَا} بعني جهنّم ، وجهنّم هي الشمس {تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} أي حجم كلّ شرارة من هذه الشرارات التي ترميها جهنّم في الفضاء كحجم قصرٍ من القصور الواسعة المشيّدة ، وشررها هي المذنّبات ، ولذلك قال تعالى {كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ} وأصلها {كَأَنَّهُ جِمَالَاتٌ صُفْرٌ} ، والشاهد على ذلك التاء الطويلة الموجودة في القرآن ، والدليل على ذلك قوله تعالى {بِشَرَرٍ} على الجمع ، ولم يقل "بشرارة" على الإفراد ، والدليل الثاني قوله {صُفْرٌ} على الجمع ، ولم يقل "صفراء" على الإفراد . و"الجمالة" حبل السفينة وجمعه جمالات ، فإنّ الله تعالى شبّه أذناب المذنّبات بحبال السفن طولاً .

   وقد جاء ذكرها في القرآن بلفظة "نجم" ، قال الله تعالى في سورة الطارق {وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِق . النَّجْمُ الثَّاقِبُ} ، ومعناه المذنّب المشتعل . وقال تعالى في سورة الواقعة {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} أي بمواقع  المذنّبات ، وهذا قسم تهديد . وقال تعالى في سورة النجم {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} ومعناه قسماً بالمذنّب إذا سقط على الأرض ، وجواب القسم قوله تعالى {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} وصاحبهم يريد به محمداً (ع) . وقال تعالى في سورة المرسلات {فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ} ومعناه فإذا المذنّبات طُمِسَت في الأرض واختفت فيها ، وذلك لأنّها تسقط على الأرض إذا اقترب يوم القيامة لأنّ الأرض تنتهي حرارتُها فتكون عرضةً لسقوط المذنّبات . وقال عزّ من قائل في سورة التكوير{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} ، فالخنّس يريد بِها ذوات الذنب لأنّها خنست عن أنظارنا اليوم أي اختفت ، وهي التي تُكنس إلى الأرض قبل يوم القيامة ، أي تلتجئ إلَيها وتختفي فيها ، وهي الجواري تجري اليوم في الفضاء سابحةً ليس لَها ملجأ .

   واعلم أنّ الله تعالى أهلك أمماً كثيرةً من الكافرين بالمذنّبات ، وأنذر قريشاً بسقوط مذنّبات على الأرض في آخر الزمان ، وكانت الأمم القديمة تعرف ذلك وتخافه حيث شاهدت ذلك بأعينِها وأخبرهم بذلك آباؤهم ، وإليك ما جاء في مجلّة المختار في عدد 24 المجلّد الرابع سنة 1945 أغسطس تحت عنوان :-

يوم صدم المذنّب سطح الأرض

   هربرت رافيل ماس ... ملخّصة عن مجلّة (سترداي ايفننج بوست) :

[ أ-  مذنّب الساحل الأمريكي الشرقي ]

إضغط هنا   لترى صورة لبعض من خلجان كارولينا (عن ناسا)

http://daac.gsfc.nasa.gov/geomorphology/GEO_7/geo_images_KL-10/FigKL-10.2.jpeg

 "يعتقد العلماء أنّ كرة ضخمة من النار صكّت الأرض منذ ألوف السنين ، وهذا ممكن مرّةً أخرى .

   من الناس من ينكر أمر المذنّب إنكاراً باتاً ، ويلتمس إلى تعليل الفجوات التي تُرى على سطح الأرض ، في سهل الساحل الأمريكي الشرقي ، وجوهاً أخرى من الرأي ، ولكنّ طائفةً كبيرة من علماء طبقات الأرض والفلك والطبيعة الفلكيّة ، يعتقدون أنّ المذنّب قد جاء .

   وقد جاء في رأيِهم من الشمال الغربي منذ ألوف السنين ، وقد مرّت كرة من النار لَها ذنَب مشتعِل فوق كندا الوسطى ، وحين صارت فوق ولايتَي نورث داكوتا ومينسوتا كانت أكبر من القمر ، فلمّا قطعت سماء إلينوي كانت قد غدَت هَولاً متوهِّجاً في الفضاء ، على حين كان الهواء الساخن المضغوط الذي يتقدّمها يحصد أشجار الغابات كأنّها عيدان ثقاب .

   ومضت الكرة بسرعة تُحرق سهوب أمريكا المعشبة ، وتصهر صخور الجبال ، وبينما هي منطلقة بسرعة 144,000 ميل في الساعة ، جذَبتها قوّة جذب الأرض فدَنَت مُسِفّةً رويداً رويداً من سطحِها حتّى صدمَته فيما بين ولاية فرجينيا وأواسط ولاية جورجيا ، وعسى أن تكون قد غارَت أميالاً في الأرض التي زلزَلَتْها الصدمة .

   ولم يكن هذا المذنّب كتلة صلبة من المعدن والصخر ، بل مجموعة من النيازك ، حجم بعضِها أكبر من بناء قصر ثلاثة أضعاف أو أربعة ، وكادت المجموعة كلّها تكون كرويّة الشكل تشغل مساحة قدرها 400 مبل على الأقلّ . ولو حُشِدت جميع قذائف الطائرات والمدافع التي أطلقَها الناس في قذفة واحدة لبلغ أثرها مبلغاً شبيهاً بالجحيم التي سعّرها هذا المذنّب ؛ فقد فتك المذنّب بالأحياء في نطاق واسع ، ولم يبقَ منهم إلاّ قليل في رقعةٍ واسعة تشمل اليوم ولايات كارولينا الشماليّة والجنوبية وجورجيا وشرق تنيسي وكنتكي وجنوب فرجينيا . ولا ريبَ في أنّ آثار هذه الكارثة بَلغَت مبلغاً شديداً في ساحة أوسع كثيراً من المساحة الأولى ، وتمتدّ شمالاً إلى مقاطعة كويبِك في كندا وغرباً إلى ولاية كانساس .

   ولو رأى إنسان مثل هذا الاصطدام العظيم ، لَخُيِّل إليه وهو يموت أنّه يوم الساعة والدنيا تبيد ، ولسنا نستطيع إلاّ تخيّلاً ، أن نسمع ونرى ذلك الدمار الذي يصمّ الآذان ويعمي العيون : دويّ متتابع من الرعد المدمّر ، وألسنةٌ متطاولة مندلعة من النار وستورٌ من الدخان والحصى تندفع في الفضاء . فإذا كفّ ذلك الهدير الغريب ، وتقشّع سحاب الغبار تقشّعاً بطيئاً ، رأينا وجه الأرض المرتعدة مثخناً ملفوحاً ، حيث لا يعيش عليه شيء ولا يتحرّك سوى عمد من الدخان والبخار متصاعدة من فجوات كبار وقد استقرّت فيها كالجمر شظايا ذلك النجم الذي جاء أجله .

   وإذا كان العلماء قد خرجوا من الدلائل التي بين أيديهم بالنتيجة الصحيحة فقد كان هذا الحدث أروع كارثة شاهدها على سطح الأرض ، فما هي هذه الدلائل ؟ هي ألوف من الفجوات في سطح الأرض وهي أغوار بيضيّة الشكل منتظمة انتظاماً غريباً في منطقة قطرها نحو ثمانين ميلاً تمتدّ من ولاية فرجينيا إلى بعض جورجيا وتحاذي ساحل المحيط الأطلسي على بعد نحو عشرين ميلاً إلى أربعين ميلاً منه . وهذه الفجوات المنخفضة وهي تسمّى "خلجان [كارولينا]" ظلّت مجهولة إلى أن جاء يوم فعرض موظّف في فصيلة مسح الأراضي بالطائرة طائفة من الصور على عالِمَين . وكان الغرض من تصوير الصور معرفة مواقع شجر الاحتطاب ولكنّها كشفت عن أنّ هذه المنخفضات التي تشبه كؤوس البراكين متوازية محاورها الطويلة وأنّ اتّجاهَها من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي . وكان يحفّ بِها عند حدودِها الجنوبيّة الشرقيّة ، حروف من الرمل وكانت الصور تبدو كأنّها صور بقعة انهال علَيها وابل من القنابل فسقطَت مائلة على الأرض متّجهة من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي ، فإذا الرمل الذي ذرّته القنابل تجمع حروفاً عند الحدود الجنوبيّة الشرقيّة .

   وكان ذلك بالغاً غاية الغرابة فعمد العالِمان الدكتور ف. ملتون والدكتور وليم شريفز إلى ارتياد المنطقة في أوّل فرصة أتيحت لَهما . وبعد بحث دقيق اقترَحا نظريّة المذنّب في سنة 1933 ، وقد نُشِرت رسالتُهما الجليلة في مجلّة " الجيولوجيا" فكانت باعثاً على جدالٍ من أشدّ ما عرفه العلماء في هذا القرن . وقد رأى المنكرون لنظريّة المذنّب أن عسى أن تكون هذه الخلجان قد نشأت من فعل الرياح والماء ، أو أنّها بحيرات قد جفّت .

   وقد يبلغ بعض الأشياء مبلغاً يهول العقل ، فمن المحتَمَل أن يُنكر القارئ الوسط وينبذ قولاً مؤدّاه أنّ مذنّباً جاء هادراً من رحاب الفضاء ثمّ انتسف هذه الفجوات . ولكن تأمّل ما حدث للفلاّح سيمينوف والراعي لوختيكان .

[ ب مذنّب تونگوسكا في سيبريا ]

إضغط هنا   لترى صورة الأشجار المتساقطة بشكل مروحة في تونگوسكا في سيبريا (عن ناسا)

                                         http://antwrp.gsfc.nasa.gov/apod/ap071114.html

[ قال تعالى في سورة الرحمن{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} فالسجود هو الانقياد والسقوط على الأرض ]

[ شاهد العيان : الفلاّح سيمينوف ]

   في الساعة السابعة من صباح 30 يوليو سنة 1908 ، كان الفلاّح سيمينوف جالساً في شرفة داره في شمال سيبيريا الوسطى ، وإذا به يرى فجأة في الشمال جسماً نارياً ضارباً إلى الزرقة أكبر من الشمس يعبر الفضاء ثمّ سقط في سهوب سيبيريا بين نهرَي الينيس واللينا فانطلق في الفضاء حيث سقط عمود من الضياء . الواقع أنّ هذا الضياء كان يبعد خمسين ميلاً عن دار سيمينوف ومع ذلك فقد بلغت الحرارة من الشدّة مبلغاً جعل الفلاّح يحسّ أنّ ملابسه توشك أن تشتعل . وبعد فترة سمع انفجاراً مدوّياً وهبّت في أثره موجة طاغية من الهواء فقذفت سيمينوف من شرفته فخرّ مغشياً عليه ودكّت داره .

[ شاهد العيان : الراعي لوختيكان ]

   وكان الراعي لوختيكان يسوق إلى المرعى في مكان ذلك الضياء العجيب قطيعاً من الوعول عدده 1500 رأس ، وقبل أن يصعق الهواء سيمينوف بجزء قليل من الثانية ، صُعِق قطيع لوختيكان فبادَ ، ولم يُعثَر بعد ذلك إلاّ على بضع جثث محترِقة .

[ شهادة رجال سكّة حديد سيبيريا ]

  وعلى بعد أربعمائة ميل تماماً ، رأى رجال سكّة حديد سيبيريا ، على حين فجأة ، وهجاً في الشمال الشرقي ، ثمّ جعل القطار يهتزّ اهتزازاً عنيفاً فوقّفوه خشية أن يخرج عن الخطّ .

   وفي مدينة أركونسك ، وهي تبعد أكثر من خمسمائة ميل ، سجّل جهاز البارومتر الآلي موجة هواء ، أمّا البارومتر الآلي الدقيق في مرصد كيو في إنكلترا ، والذي يبعد 4000 ميل ، فقد سجّل ضغط أمواج في الهواء .

[ بعثة كوليك سنة 1927 ]

   وتصرّمت السنوات وكاد الحادث يُنسى ، ثمّ جاءت سنة 1927 فذهب الأستاذ ل . كوليك ، على رأس بعثة إلى تلك البقعة النائية حيث انطلق عمود الضياء في الفضاء ، فوجد غوراً قليل الانخفاض سعته ميلان ، وفيه ما يدلّ على أنّ شيئاً ما دفع التراب إلى جوانب الغور دفعاً عنيفاً ، كأنّ حجراً كبيراً ألقي في وحلٍ كثيف . فلم تزل حلقاته المتتابعة باديةً للعيان . وفي داخل هذا الغور وجد مائتَي فجوة يختلف قطرها من ذراع إلى خمسين ذراعاً . وكانت كلّ شجرة في هذا الغور قد دُمِّرت ، وكان يغطّي الأرض على 15 إلى 20 ميلاً حول الغور ألوف من الأشجار الهاوية منتشرةً على شكل مروحة ، فمن البيِّن أنّ جسماً قوياً كان قد صدم الأرض في هذا المركز .

http://antwrp.gsfc.nasa.gov/apod/ap071114.html

   وقد وجد كوليك أنّ ما صدم الأرض هناك كان مجموعة من النيازك وقد سبقت النيازك موجة من الهواء الساخن كأنّما ضغطها كبّاس جبّار ، فشقّت الغور الكبير ثمّ مضت ذاهبةً فجندلت أشجار الغابات ، كأنّ يد ماردٍ قد لطمتها فهوت بِها على الأرض . وهذه الموجة هي التي صعقت قطيع لوختيكان ، وجميع الأحياء في تلك المنطقة .

إضغط هنا   لترى صورة لبحيرة چيكو التي يُعتَقد أنّ المذنّب خلّفها

<<http://www.livescience.com/php/multimedia/imagedisplay/img_display.php?s=space&c=&l=on&pic=070626_lake_cheko_02.jpg&cap=Lake+Cheko%2C+in+the+Siberian+region+of+Tunguska.+Credit%3A+www-th.bo.infn.it%2Ftunguska+%2F+University+of+Bologna&title=Lake+Cheko%2C+in+the+Siberian+region+of+Tunguska.+Credit%3A+www-th.bo.infn.it%2Ftunguska+%2F+University+of+Bologna >>

   وقد كان السعد حليف الإنسانيّة في ذلك اليوم من سنة 1908 فلو سقط المذنّب في نيويورك أو باريس بدلاً من أن يسقط في منطقة غير مأهولة ، لكان ذلك إحدى كوارث التاريخ الكبرى .

   أمّا أن يكون الحدث قد سبّبه مذنّب ، فلا يكاد يحتمل شكاً ؛ ففي يوم الثلاثين من شهر يونيو سنة 1908 كانت كرة الأرض قريبة من فلك مذنّب (بونس وينك) ، ويلوح أنّ النيزك الكبير الذي وقع في سيبريا كان قطعةً منه .

[ ج مذنّب أريزونا ]

إضغط هنا   لترى صورة لفوّهة مذنّب أريزونا  

http://www.meteorite.com/meteor_crater/index.htm

   وتتناقل قبيلة "هوپي" من الهنود الحمر أسطورة مؤدّاها أنّ "الروح العظيم" هبط إلى الأرض مرّةً من مقامه العالي ، تحيط به النار والرعد ، ودخل جوف الأرض . وهم يدلّونك على الثغرة التي دخل منها : هي غور عظيم في صحراء أريزونا سعته نحو ميل ، وعمقه 1300 قدم ، وارتفاع حافّته من 125 إلى 660 قدماً فوق مستوى السهل الذي يحيط به ؛ فهناك صدم الأرض ، منذ أقلّ من خمسة آلاف سنة ، مذنّب آخر أكبر من نيزك سيبريا ، وكان هذا المذنّب كتلة من حديد النيكل ، وربّما كان وزنُها أكثر من مليون طن ، وربّما كانت سرعتها 40 ميلاً في الثانية حين هبطت مائلةً على ولاية يوتاه وصدمت ولاية أريزونا . وإنّ وصف دويّها ورجّتها لَمِمّا يشقّ ولكنّها بلغت من القوّة مبلغاً دفعَها 2400 قدم في الصخر الأصمّ فطحنت الصخر طحن الدقيق .

   وقد تُذكر أجسام أخرى صغيرة سقطت على الأرض كنيزك كايب يورك الذي يزن 36 طناً ، وقد عاد به الأميرال بيري مكتشف القطب الشمالي من جرينلندة .

   وإنّ المرء ليستطيع أن يفهم هذه الحوادث ويسلِّم بِها ، أوقد يسلِّم حتّى بما حدث في سيبريا وأريزونا ، ولكنّ الذهن يضطرب ويقصر حين يحاول أن يدرك الكارثة التي زلزلت أمريكا إن صحّ أنّ "خلجان" كارولينا هي كما يُظنّ فجوات حفرَتها قطعٌ كبيرة من نجمٍ تهشّم .

   إنّ المذنّب الذي صدَم أريزونا حفرَ حفرةً تبلغ سعتها ميلاً ، وطائفة الأجسام التي صدَمت سيبريا حفرَت مائتي حفرة تبلغ سعة بعضِها خمسين ذراعاً . ولكن من بين "الخلجان" في سهل الساحل الأمريكي ما تبلغ سعته ميلين ونصف ميل وطوله ثلاثة أميال أو أربعة ، وهي تُعدّ بالألوف لا بالمئات ، ونراها منتشرة في أرضٍ قد تبلغ مساحتها 40,000 ميل مربّع ؛ فإذا كان قد سبّبها اصطدام مذنّبٍ بالأرض ، فقد كان ذلك كارثةً لا يُعدّ معها حدث سيبريا وأريزونا شيئاً مذكوراً .

   كنت ذات يومٍ قد استطلعتُ بعض "الخلجان" في منطقةٍ اتّخذها سلاح الطيران ساحة للتدريب على قذف القنابل ، فإذا القنابل تُحدث في الأرض حُفَراً سعتها أربعون قدماً ، وإذا هذه الحُفَر لا تعدو أن تكون كالشامات في أرضٍ تناثرت فيها فجوات تبلغ سعة إحداها عشر آلاف قدم . وفي هذا الفرق العظيم تنطوي عبرة مخيفة ؛ فعسى أن تكون قد استكنّت في رحاب الفضاء وراء النجوم التي جاء منها هذا المذنّب ، قوى أخذت تبرم بسعي هذا الإنسان في تدمير نفسه ، وعسى أن تقول له يوماً ما : "دع عنك أيّها القزم ! ذرنا نعلّمْكَ كيف يكون التدمير" انتهى ما جاء في المجلّة عن المذنّب .

 

س 46 : فما معنى قوله تعالى : {وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ . النَّجْمُ الثَّاقِبُ . إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ .} ؟

ج : الواو من قوله {وَالسَّمَاءِ} واو قسم ، والمعنى قسماً بالسماء وقسماً بالمذنّب الذي طرقها ، والسماء هنا يريد بِها سماء نينوى أي الموصل ، {وَالطَّارِقِ} : الطارق هو الذي يمرّ في الطريق ليلاً أي يسير فيه ، ومن ذلك قول حسّان :

وإنّا لَنُقري الضيفَ إنْ جاءَ طارقاً     مِنَ الشحمِ ما أضحى صحيحاً مُسلََّما

وقالت الخنساء :

ولِلأضيافِ إنْ طَرَقوا هُدوءاً     ولِلجارِ المُكِلِّ وكُلِّ سِفْرِ

والمعنى قسماً بِسماءِ نينوى وقسماً بِمن طَرقها ، ثمّ قال {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} وهذا تعظيم لشأن ذلك الطارق ، ثمّ بيّن سبحانه ما هو ذلك الطارق فقال {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} يعني المذنّب المشتعل ، ومن ذلك قول حسّان :

نُفجِّئ عنّا الناسَ حتّى كأنّما     يلفَحُهمْ جَمرٌ مِنَ النارِ ثاقِبُ

وقال الأعشى يمدح رجلاً :

وُجِدتَ إذا اصطلَحوا خيرَهمُ     وزندُكَ أثقبُ أزنادِها

والزند هو الحديدة التي تُضرب على الحصاة فتقدح شرارات فيشعلون منها النار . يقول الشاعر : نارك أشعل من نارهم وزنادك أقوى من زنادهم ، وهذا مثل ضربه الشاعر بالقوّة والمكر .

   ولمّا سمع المشركون الوعيد بالعذاب قالوا إنّ الملائكة تحفظنا من العذاب إذا نزل بنا، لأنّنا نحبّ الملائكة ونقدّسها ؛ فنزل قوله تعالى : {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} ، والمعنى : ما كلّ نفسٍ عليها حافظ لمّا يأتي العذاب ليحفظها منه ، بل الحفَظَة خاصّة بالأنبياء والرسُل والهُداة في دار الدنيا .

   وقصة هذا المذنّب الذي ذكره الله تعالى في هذه السورة : إنّ نبيّ الله يونس لمّا دعا قومه إلى الإيمان ، وهم أهل نينوى كذّبوه وأبَوا أن يُؤمِنوا ، فدعا عليهم ووعدهم بالعذاب ، فأرسل الله عليهم أحد المذنّبات فطرق سماءهم ، فلمّا رأوه آمنوا بالله وتضرّعوا إليه فدفع الله عنهم العذاب وذهب المذنّب إلى قطرٍ آخر من أقطار الأرض .

   فهذا معنى قوله تعالى {وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ ...الخ} ، وهذا قسم تهديد ، والمعنى : إن لم تؤمنوا بي وتصدّقوا رسولي ، أرسلْ عليكم أحد المذنّبات كما أرسلتُ على أهل نينوى . وهذا كقوله تعالى في سورة المرسلات {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ . ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ . كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ .}

 

 

النجوم

   النجوم أجرام ناريّة ملتهبة ثابتة في مكانِها ولذلك تسمّى (الثوابت) ، إلاّ أنّها تدور حول نفسها ، وتكون دورتُها من اليمين إلى الشمال ، والنجوم تكون شموساً إذا أصابت من النيازك والأحجار السماويّة لأنّها تجمع حولَها من المادّة وتأخذ في النمو والازدياد حتّى تكون شمساً ، وهي أجرام كبيرة جداً ولكن لبعدها عنّا نراها صغيرة .

   ويبدو لونُها أبيض ما دامت في حداثة العمر، فإذا كبرت وصارت شموساً حينئذٍ يميل لونُها إلى الحمرة. فالنجوم تنشأ من تيّار سالب وموجب فيزدوجان وينشأ منهما سديم لولبي ثمّ ينمو ويكبر فيكون نجماً . قال الله تعالى في سورة يس {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} ؛ فالذي لا يعلمون ازدواجه هو النجوم . وقال الله تعالى في سورة الذاريات {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

 

أعمار النجوم

   تعرف أعمار النجوم بألوانِها: فالنجوم البيضاء والزرقاء حديثة التكوين نسبياً، والنجوم الصفراء متوسّطة العمر أي تناهز الكهولة مثل شمسنا، والنجوم الحمراء قديمة التكوين وصلت إلى الشيخوخة، وكلّما كانت قديمة التكوين زادت كثافتُها والعكس بالعكس.

 

 

قاعدة في الأجرام

   أقول لابدّ لكلّ جرم متحرّك قاعدة يجري عليها، ولا يجوز أن تجري السيّارات حول نفسِها بلا قاعدة ولا نظام. وقاعدة دورانِها حول نفسِها تكون واحدة من اثنتين:

        فإمّا أن يكون الجرم أسرع حركةً كلّما كان أكبر حجماً، وأقلّ حركةً إذا كان صغيراً.

        وإمّا أن يكون الجرم بطيئاً إذا كان كبيراً، وسريع الحركة إذا كان صغيراً،

 ولا تخلو قاعدة حركة الأجرام من إحدى هاتين القاعدتين.

   وأقول إنّ القاعدة الأولى لا تنطبق مع الأجرام، وذلك لو أنّ كلّ جرمٍ كبير يكون سريع الحركة إذاً لَوجدنا الشمس تكمل دورتَها حول نفسِها بمدّة ساعة واحدة لأنّها أكبر من جميع السيّارات بأضعاف ، ولَوجدنا عطارد يكمل دورتَه حول نفسِه بمدّة 25 يوماً أو أكثر لأنّه أصغر السيّارات حجماً .

   إذاً نرجع إلى القاعدة الثانية وهي : أنّ الجرم الكبير يكون أبطأ في دورته حول نفسه والصغير يكون أسرع .

   وعلى هذه القاعدة نجد حركة السيّارات القريبة من الشمس منطبقاً ، وهنّ عطارد والزهرة والأرض ؛ لأنّ الفلكيّين ضبطوا حسابهنّ ، وعرفوا مدّة دورتِهنّ حول أنفسهنّ وحول الشمس ، وأمّا السيّارات الباقية فقد أخطئوا في حسابِها والدورة التي تكملُها تلك السيّارات حول نفسِها ؛ وذلك لبعدها عن الشمس وعن الأرض .

   فإذا نظرنا إلى عطارد نجد مدّة دورته حول الشمس 88 يوماً، ومدّة دورته حول نفسه 8 ساعات، وحجمه ثلث حجم الأرض ولذلك يكون أقرب السيّارات إلى الشمس. وإذا نظرنا إلى الزهرة نجد دورتَها حول الشمس بمدّة 225 يوماً، ودورتَها حول نفسِها بمدّة 16 ساعة، وحجمها ثلثا حجم الأرض أي أنّها بقدر عطارد مرّتين، ولذلك تكون أبعد من عطارد عن الشمس. ثمّ إذا نظرنا إلى الأرض نجدها أكبر من الزهرة وأبعد عن الشمس، وتكمل دورتَها حول الشمس بمدّة 365 يوماً، وتكمل دورتَها حول نفسِها بمدّة 24 ساعة.

   فعلى هذه القاعدة ينبغي أن تجري السيّارات الباقية حول نفسِها وحول الشمس ، فإذا اختلفت عن هذه القاعدة إذاً نقول أنّ الفلكيّين قد أخطئوا في حسابِها , ولم يضبطوا مدّة دورانِها حول نفسِها ولم يعرفوا حجمَها ؛ وذلك لِبعدها عنّا ؛ والدليل على ذلك أنّنا نجد الشمس تكمل دورتَها حول نفسِها بمدّة 25 يوماً و5 ساعات لأنّها أكبر من جميع السيّارات بأضعاف .

[ خطأ الفلكيّين في حساباتِهم حول المرّيخ ]

   فالمرّيخ أبعد من الأرض عن الشمس ولذلك يكمل دورته حول الشمس بِمدّة 687 يوماً، فكيف قدّر الفلكيّون دورته حول نفسه بمدّة 24 ساعة كما في دورة الأرض ، وكيف قدّروا حجمه أصغر من الأرض ، فإذا كانت دورته حول الشمس بمدّة 687 يوماً فينبغي أن يكون حجمه بقدر الأرض مرّتين على التقريب ، وينبغي أن يكمل دورته حول نفسه بمدّة 44 ساعة . ثمّ لو كان المرّيخ أصغر من الأرض بقليل كما يقولون ودورته حول نفسه بمدّة 24 ساعة إذاً لَتقارب الجرمان بل لاصطدم أحدهما بالآخر، وإذا كان كذلك إذاً لَرأينا المرّيخ كما نرى الأرض في سعتِها أو كان محاذياً لَها ، ولأمكننا العبور من الأرض إلى المرّيخ بسهولة ، فكيف يكون كذلك وقد نراه لِبعده كنجمة من النجوم .

[ خطأ الفلكيّين في حساباتِهم حول المشتري ]

إضغط هنا   لترى صورة للمشتري (عن ناسا)

http://solarsystem.nasa.gov/multimedia/gallery/PIA09243_modest.jpg

   وكذلك أخطئوا في حساب المشتري حيث قالوا أنّه يكمل دورته حول نفسه بمدّة 10 ساعات ، وقالوا أنّ حجمه أكبر من الأرض بمقدار 1250 مرّة . وأقول إذا كان المشتري أبعد من المرّيخ عن الشمس ويكمل دورته حول الشمس بمدّة 4333 يوماً ، إذاً ينبغي أن لا يزيد حجمه عن حجم الأرض أكثر من 12 مرّة ، والدليل على ذلك أنّ سنته تعادل اثنتي عشرة سنة من سنيّ الأرض ، وينبغي أن يكمل دورتَه حول نفسه بمدّة 12 يوماً .

   وعلى هذا النهج تكون قاعدة سير الأجرام : فالكبير منها يكون بعيداً عن الشمس ، وبطيئاً في الحركة حول نفسه وحول الشمس . والصغير منها يكون قريباً إلى الشمس وسريعاً في الحركة .

 

 

الليل والنهار

   قلنا فيما سبق أنّ الأرض تدور حول نفسِها وتكمل دورتَها بمدّة 24 ساعة ، وبسبب هذا الدوران يتكوّن اللّيل والنهار لأنّ الجهة التي تكون مقابلة للشمس يكون فيها نهار ، وأمّا التي بعكس الشمس يكون فيها ليل لأنّها لم تصب من أشعّة الشمس ، وكلّما دارت الأرض حول نفسَها يختلف فيها تكوين اللّيل والنهار ، وهذا شيءٌ معروف عند الفلكيّين . قال الله تعالى في سورة لقمان {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} ؛ فقوله تعالى :{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} معناه : يُدخل الليل في النهار والليل باقٍ في الجهة الأخرى ، ويُدخل النهار في الليل والنهار باقٍ في الجهة الأخرى ، والمعنى : يعقب بعضهما بعضاً فيكون في جهة ليل وفي الأخرى نهار .

   وقال تعالى في سورة الزمر{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُو الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}، فكلمة يكوّر معناها يلفّ ، يقال : "كار العمامة على رأسه" ، أي : لفّها . فانظر إلى فصاحة القرآن وإيجازه ؛ فإنّ الله تعالى يبيّن لنا كرويّة الأرض ودورانها حول نفسِها وانتقال أشعّة الشمس عليها وتكوين الليل والنهار فيها بقوله تعالى {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} ، وإنّما قال تعالى {يُكَوِّرُ} لأنّ الأرض كرويّة وأشعّة الشمس تنتشر على نصف الكرة فيكون النهار في الجهة المضيئة منها ويكون الليل في الجهة المظلمة ، ثمّ تنتقل أشعّة الشمس إلى الجهة الأخرى بسبب دوران الأرض فيكون موقع الليل نهاراً وموقع النهار ليلاً ، فأشعّة الشمس أخذت تتكوّر حول الأرض وتكسبها نوراً وحرارة ونتج عن ذلك الليل والنهار .

   فانظر أيّها القارئ الكريم إلى هذه الكلمة وتأمّل معناها هل ترى أحداً من البشر قادراً أن يأتي بمثلها ويعبّر عن هذه المعلومات بهذه الكلمات ؟ فإنّ هذه الكلمة وحدها تكفينا دلالةً على صدق محمّد (ع) وعلى وجود مكوّن للكون ؛ لأنّ كرويّة الأرض لم تُعرف عند الناس إلاّ في هذا الزمان ، ولم تُعرف هذه المعلومات وتتحقّق للناس إلاّ في هذه الأيام .  سبحان من كوّنَها وأدارها حول محورها وأنتج الليل والنهار من دورانِها ، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيرا .

   وقال تعالى في سورة الفرقان {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَو شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا . ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} فقوله تعالى{أَلَمْ تَرَ} يعني الم تنظر يا محمّد {إِلَى} فعل {رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} يعني كيف جعل ظلّ الأرض متّصلاً لا ينقطع ، وظلّ الأرض هو الليل ، فكلّما ذهب ظلٌّ قام آخر مقامه ، وذلك بسبب دوران الأرض حول نفسها {وَلَو شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} أي دائماً لا يزول ، وضياء الشمس في جهة لا يزول ، فحينئذٍ تجفّ أنهاركم التي في جهة النهار وتيبس أشجاركم وتحترق مزارعكم وتموت أنعامكم فتهلكون حراً وجوعاً وعطشاً . وأمّا في جهة الليل فلا يعيش لكم نبات ولا حيوان ولا يوجد عندكم مياه إلاّ الثلوج وذلك لشدّة البرد ، فتلك نتيجة الشمس الدائمة وهذه نتيجة الظلّ الدائم {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} أي جعلنا غروب الشمس دليلاً على إقبال ظلّ الأرض ، يعني إقبال الليل ، {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} أي قبضنا الظلّ والمعنى أزَلناه بانتقال ضياء الشمس من مكانٍ إلى مكان {قَبْضًا يَسِيرًا} أي سهلاً بلا مشقّة ولا تكلُّف ؛ وذلك بسبب دوران الأرض حول نفسِها . وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة القصص {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ}

 

س 47 : تقول إن الأرض كرويّة بدليل قوله تعالى {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}؛ إذاً فما معنى قوله تعالى في سورة البقرة {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاءً} ؟

ج : يعني فرشها بطبقة ترابيّة لكي تكون صالحة للإنبات وللسكنى، ومثلها في سورة الذاريات قوله تعالى {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} يعني فرشها بطبقة ترابيّة تمهيداً لزرعها. ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة طـه {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} يعني جعلها ممهّدة للزرع وللسكنى إذ فرشها بطبقة ترابيّة.

 

 

الأمطار

   أصل الأمطار من البحار ، وذلك أنّ الشمس ترسل أشعّتها إلى الأرض فيتبخّر من مياه البحار والأنهار بواسطة حرارة الشمس فيرتفع البخار في السماء فتستحيل تلك الذرّات البخاريّة إلى ذرّات مائيّة وذلك بسبب برودة الجو، وباستمرار البرد عليها تكون ذرّات ثلجيّة (وفر) فتبقى منتشرة في الفضاء ، فإذا ارتفع من البخار ثانيةً وساقته رياح ساخنة تحت تلك الذرّات الثلجيّة المنتشرة في الفضاء فإنّ حرارة الرياح والبخار يذيبان تلك الثلوج فتنزل مطراً .

   قال الله تعالى في سورة الرحمان {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ . بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} فمرج البحر هياجه واضطرابه بالعواصف والأمواج، ومن ذلك قولهم : في المدينة "هرج ومرج" أي مشاجرة وضوضاء ، فقوله تعالى{مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} يعني ما خرج من البحرين يلتقي في الفضاء ، وذلك هو البخار يخرج من البحار بسبب حرارة الشمس فتسوقه الرياح ويجتمع في الفضاء ثمّ يكون مطراً وينزل إلى الأرض ثانية ، وقوله تعالى {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ} يعني بين البحرين حاجز لا يتعدّى أحدهما على الآخر ، والبحران هما العذب والمالح .

   وقال الله تعالى في سورة الأعراف{وَهُو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ...الخ}، فقوله تعالى{فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء} أي أنزلنا بالرياح الماء ، يعني بسببها لأنّها رياح ساخنة تذيب من تلك الثلوج فتنزل مطراً .

إضغط هنا   لترى صورة للغيوم التراكمية الممطرة (عن ناسا)

http://asd-www.larc.nasa.gov/SCOOL/New_Clouds/Cumulonimbus/Cb1.jpg

 وقال تعالى في سورة فاطر{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا... الخ} . وقال تعالى في سورة الروم{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ...الخ }، فالودق هو المطر القريب من الأرض ، فبيّن سبحانه أنّ المطر ينزل من خلال السحاب وليس هو الذي ينزل مطراً، وذلك لأنّ الرياح الساخنة والسحاب يذيبان من تلك الثلوج المنتشرة في الفضاء فتنزل من خلال السحاب .

إضغط هنا   لترى صورة للغيوم الوسطى التراكمية (عن ناسا)

http://asd-www.larc.nasa.gov/SCOOL/New_Clouds/Altocumulus/Ac1.jpg  

 وقال تعالى في سورة النــور{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} ، فتأمّل أنّه تعالى قال {يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ} وذلك لأنّ السحاب يذيب من تلك الثلوج فتنزل مطراً .

إضغط هنا   لترى صورة للغيوم الوسطى التراكمية (عن ناسا)

http://asd-www.larc.nasa.gov/SCOOL/New_Clouds/Cumulus/Cu1.jpg

وجاء في التوراة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين (ثمّ كان ضبابٌ يطلع من الأرض ويسقي كلّ وجه الأرض) .

 س 48 : إذا كانت الأمطار من البخار ، إذاً فما هذه الضفادع والأسماك الصغار التي تنزل مع المطر أحياناً ؟

ج : إنّ هذه الحيوانات ترفعها الأعاصير إذا هاجت من البحار فتبقى عالقة بالسحاب فإذا نزل المطر تنزل معه .

 

 

الثلوج

   يتحوّل البخار المتصاعد من البحار والأنهار إلى ذرّات ثلجيّة (وفر) منتشراً في الفضاء ، كما ذكرنا آنفاً ،

فإذا كانت تلك المنطقة حارّة كالهند والحجاز وغيرها فإنّ الرياح والسحب المرتفعة من الأرض تذيب من تلك الثلوج فتنزل مطراً .

ولكن إذا كانت المنطقة باردة كإيران وروسيا وغيرها فإنّ الثلوج عند تراكمها وازديادها تسقط على الأرض على حالتها الثلجية ولا تكون مطراً إذ ليس هناك رياح ساخنة لتذويبها إلاّ أحياناً وذلك حين تنزل مطراً .

 

  وقد تنزل الثلوج في بعض الأقطار بكثرة حتّى ترتفع مقدار متر فوق سطح الأرض أو أكثر من ذلك ، وفي تلك المناطق يصنعون عربات تسير على الثلج فيحملون عليها أمتعتهم وينزلقون عليها للّعب والتريّض . وفي بعض الأقطار يخزنون من تلك الثلوج في سراديب ويغطّونها بالتبن إلى وقت الصيف ثمّ يستخرجون منه كلّ يوم على قدر احتياجهم .

 

 

البَرَد

   يتكوّن البرَد وقتياً من الثلوج المنتشرة في الفضاء وقت الشتاء  ،

وكذلك من الثلوج المتراكمة فوق الجبال العالية في الأقطار الباردة ، وذلك بمرور رياح عاصفة على تلك الجبال فتحمل بطريقها من تلك الثلوج إلى أماكن أخرى ،

وبمرورها في الأجواء تتدحرج تلك الثلوج وتكون على هيئة كريات بيضاء فتسقط مع الأمطار وتتلف الزرع أينما سقطت .

   والدليل على ذلك ترى سقوط البرَد يكون في الربيع حيث يسخن الهواء قليلاً ، لأنّ الرياح الساخنة تذيب من تلك الثلوج وترفع الأخرى الغير ذائبة وبمرورها في الأجواء تجمد ثانيةً وتتدحرج فتكون كريّات ثلجية بيضاء هي البرَد ، ويسمّى في العراق عند العامّة "حالوب" .

   فإذا كسرت واحدة من تلك الكريّات الثلجية وأمعنت النظر فيها ترى بعض ذرّاتها شفّافة وهي التي ذابت من الثلوج عند ملامسة الرياح الساخنة ثمّ جمدت ، وترى الذرّات الأخرى بيضاء غير شفّافة وهي التي حملتها الرياح على ما هي عليه لم تذب .

   قال الله تعالى في سورة النور في آية 43 {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} .

التفسير:

{وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء} أي من الجو ينزّل البرَد ،

{مِن جِبَالٍ فِيهَا} أي في سماء الأرض ، وهي جبال من السحب ومن الثلوج . وإنّك إذا سافرت بالطائرة ترى جبالاً منتشرة في الفضاء ، وما هي إلاّ جبال من السحب ،

وقوله {مِن بَرَدٍ} أي يتكوّن منها قليل من البرَد ،

{فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء} إتلاف زرعه ،

{وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء} أن يبقى زرعه ،

{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي برق السحاب ، وهي شحنات كهربائية سالبة وموجبة يتكوّن فيها شرارات كهربائيّة فتضيء ليلاً ،

{يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} لشدّة ضوئه ولمعانه في ظلام اللّيل .

   وتسمّيه العامّة "حالوب" ، وهو كريّات صلبة بيضاء ، فالشعراء يشبّهون به أسنان حبيباتهم ، وفي ذلك قال أحدهم :

وأمطرت لؤلؤاً من نرجسٍ وسقت     ورداً وعضّت على العنّاب بالبرَدِ

فشبّه أسنانها بالبرَد لبياضها . وقال امرؤ القيس :

بعلّ بهِ بردُ أنيابِها     إذا طرب الطائرُ المُستحِر

وقال جرير يصف فتاة :

تُجري السِّواكَ على أغرَّ كأنَّهُ     بَرَدٌ تَحَدَّرَ مِن مُتُونِ غَمامِ

فشبّه أسنانَها بالبَرَد وهي تصقلها بالمسواك .

   فإنّ القطع الكبيرة من البرَد تدمّر الزرع وتهلك المواشي وتقتل الإنسان ، وقد أضرّت بكثيرٍ من الناس . وإليك بعض تلك الحوادث والأضرار عن جريدة الحرّية بعددها 881 الصادرة في 13/5/1957 :

"إنّ الحالوب تساقط على مدينة الناصريّة (جنوب العراق) في نحو الساعة الثامنة إلاّ عشر دقائق من صباح ليلة عيد الفطر المبارك ؛ كانت القطعة أشبه بالطابوقة وكان وزن الواحدة منها 160 غراماً . استمرّ سقوطه زهاء العشرين دقيقة ، وسبّب سقوطه على الطارمات من الاسبست أن جعلها أشبه بالمنخل حتّى أنّ الكاشي تهشّم نهائياً من أثره ، كما أصيب من سقط عليهم بجروح أُدخِلوا على إثرها المستشفى ."

   وقد قرأتُ في مجلّة الهلال المصريّة ذات مرّة عن سقوط برَد ملوَّن "أحمر" في بعض المناطق و"أسود" في مناطق أخرى . وهذا دليل على اختلاط تربة الجبل بالبرَد فأكسبته لوناً أحمر أو أسود .

 

 

المدّ والجزر

[ خطأ الفلكيّين حول المدّ والجزر ]

   يقول علماء الفلك أنّ المدّ والجزر ناتج عن الجاذبيّة الّتي في القمر حيث أنّها تعمل في مياه البحر فترتفع تارةً فيكون المدّ ، وتنخفض تارةً فيكون الجزر .

   وأقول إنّ هذه النظريّة خطأ ، ولا تأثير لجاذبيّة القمر على مياه البحار ، والدليل على ذلك ما يأتي :

1.     إنّ جاذبيّة الأرض أقوى من جاذبيّة القمر بأضعاف حيث أنّ الأرض أكبر من القمر بخمسين مرّة .

2.     إنّ جوف الأرض ساخن ملتهب ـ وإنّ جوف القمر بارد لا حرارة فيه ، وإنّ سبب الجاذبيّة هي الحرارة .

3.     إنّ المياه مجذوبة للأرض لأنّها فوقها وإنّ القمر يبعد عنها كلّ البعد ، فكيف تكون جاذبيّة القمر أقوى تأثيراً على المياه من جاذبيّة الأرض فتجذب مياه البحار التي هي تحت سيطرة جاذبيّة الأرض ، على أنّ القمر بعيد عنها وأصغر من الأرض بخمسين مرّة وجوفه بارد لا حرارة فيه تؤهّله للجاذبيّة ، فلو كان للقمر تأثير على مياه البحار لكان أولى بمياه الأمطار أن تنجذب إليه قبل نزولِها إلى الأرض إذْ أنّها أقرب إليه من مياه البحار .

 

 

   أمّا سبب المدّ والجزر فهو دورة الأرض حول محورها المائل ؛ حيث تنحدر المياه إلى المكان المنخفض فيكون فيه مدّ ، ويكون في الجهة المرتفعة جزر ، ثمّ تعود المياه إلى أماكنها عند إكمال دورة الأرض حيث ترتفع المنطقة التي كانت منخفضة وبذلك يتبادل المدّ والجزر . ولهذا السبب لا يكون في بعض البحار مدّ وجزر لأنّها واقعة في خطّ الاستواء . والدليل على صحّة قولي حدوث المدّ والجزر مرّتين في اليوم لا أكثر ، وذلك على قدر الدورة المحوريّة للأرض لأنّها تكمل دورتّها بمدّة 24 ساعة .

 

( شكل رقم 7 )

 

 

المد والجزر

 

 

 

الينابيع

   إنّ مياه الينابيع هي من مياه الأمطار تجري تحت الأرض فتجد لها منفذاً فتخرج منه ، ومصدر هذه المياه من الجبال ، وذلك بطريقتين :

أولاً : مياه الأمطار التي تنزل على الجبال تدخل في شقوقها وتجاويفها فتمتلئ ماءً ، ثمّ تجد طريقاً للخروج من أسفل الجبل فتخرج منه فتكون ينابيع .

ثانياً : الثلوج التي تسقط على الجبال وقت الشتاء تأخذ في الذوبان شيئاً فشيئاً بالأخصّ وقت الصيف ، فتنزل تلك المياه في شقوق الجبال وتخرج من منافذ في أسفلِها ، فتسمّى تلك المنافذ "ينابيع" . قال الله تعالى في سورة الزمر {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا...الخ} يعني سلك الماء في الأرض فجعل منه ينابيع .

 

إضغط هنا   لترى شكلاً تخطيطياً لدورة المياه في الطبيعة (عن ناسا)

http://ga.water.usgs.gov/edu/watercycle.html

 

 

الينابيع الساخنة

   تتسخّن المياه بواسطة حرارة جوف الأرض ، وذلك لأنّ الأراضي الحجريّة يكون فيها شقوق فتتسرّب النار والغازات في تلك الشقوق وتصعد إلى الطبقة الباردة من الأرض ، فإذا مرّت عليها مياه الينابيع تسخّنت وخرجت من الينبوع ، وقد تصل حرارة بعضها إلى 190 درجة ، وتوجد من الينابيع الساخنة في شمال العراق قرب الموصل : تسمّى "حَمّام العليل" .

 

 

الصفحة اللاحقة      

الصفحة الأولى

الصفحة السابقة  

فهرس الْمُحتويات      

    الصفحة الرئيسية       

    Man after Death   An Hour with Ghosts   The Universe and the Quran   The Conflict between the Torah and the Quran   الخلاف بين التوراة و القرآن     الكون والقرآن   المتشابه من القرآن   ساعة قضيتها مع الأرواح  

Order Xenical here.