القوّة الدافعة

س 17 : إذا كانت الشمس جاذبة والسيّارات مجذوبة لّها فهلاّ جذبتهنّ إليها فيلتصقنَ بِها ، فما هو السبب الذي جعل بينهما هذه المسافة ؟

ج : إعلم أنّ كلّ جرمٍ ملتهب ثابت في مكانه ولكن يدور حول نفسه بسبب الحرارة التي في جوفه ، ودورته تكون من اليمين إلى الشمال ، وكلّ جرمٍ بارد لا يدور حول نفسه إذ لا حرارة فيه تجعله بتحرّك ولكنّه يدور حول الجرم الذي يجذبه ودورانه أيضاً يكون من اليمين إلى الشمال لأنّ الجرم الجاذب يدور كذلك ، ومثال ذلك القمر فإنّه لا يدور حول نفسه لأنّه جرم بارد ولكنّه يدور حول الأرض لأنّه مجذوب لَها .

   فالشمس إذاً ثابتة في مكانِها ولكنّها تدور حول نفسِها، وبسبب هذا الدوران تكوّنت عندنا قوّة ثانية تسمّى "القوّة الدافعة". وهي : إنّ الجرم الجاذب كلّما زاد في دورانِه ابتعدت عنه الأجرام المجذوبة له ، وكلّما قلّت سرعة دورانه فإنّ المجذوب يقترب منه ، ولو فرضنا أنّ الجرم الجاذب يقف عن دورته فإنّ المجذوب يقترب منه حتّى يلتصق به ، على شرط أن لا يخلو من الحرارة لأنّ الأجرام لا تقف عن دورانِها حول نفسِها إلاّ إذا انتهت حرارتُها ، والخلاصة أنّ سبب ابتعاد السيّارات عن الشمس ناتج عن دوران الشمس حول نفسِها ، ومثال ذلك "الدولاب" الذي يركب فيه الأطفال بالأعياد فإنّك ترى الدولاب كلّما زادت سرعة دورانه فإنّ الحمّالات التي فيها الأطفال تبتعد عن عامود الدولاب وتنتشر في الفضاء وكلّما قلّت سرعتها فإنّ الحمّالات يقترب بعضها من البعض حتى يقترِبْنَ من العمود .فهذا أوّل سبب في ابتعاد السيّارات عن الشمس ، وأمّا السبب الثاني فإنّ الجرم المجذوب كلّما كان أبرد فإنّ الجاذبيّة تعمل فيه أكثر فيقترب حينئذٍ من الجاذب والعكس بالعكس .

 

 

( شكل رقم 2 )

 

 

الحمّالات تبتعد عند سرعة دوران الدولاب

   يمثّل الشكل أعلاه صورة "لدولاب" الأطفال الذي يستعمل في الأعياد حيث ترى الدولاب كلّما زادت سرعة دورانه فإنّ الحمّالات التي فيها الأطفال تبتعد عن عامود الدولاب والعكس بالعكس .

 

 

 

سير الأجرام

   إنّ الجرم المجذوب لا يحاذي الجاذب في سيره تماماً ، بل تكون حركة الجاذب حول نفسه أسرع من حركة المجذوب حول الجاذب ؛ مثلاً إنّ الشمس جاذبة والأرض مجذوبة لَها ، فالشمس تكمل دورتَها حول نفسِها بمدّة 25 يوماً و5 ساعات بينما الأرض تكمل دورتها حول الشمس بمدّة 365 يوماً ، ويكون تقدير ذلك كنسبة 1 إلى 14 على التقريب ، أي أنّ الأرض تدور مرّة واحدة حول الشمس في السنة بينما الشمس تكمل أربع عشرة دورة حول نفسِها .

   ثمّ إنّ القمر يكمل دورته حول الأرض في الشهر مرّة بينما الأرض تكمل دورتها حول نفسها بمدّة 24 ساعة ، ويكون تقدير ذلك 1 مقابل 30 ، أي دورة واحدة للقمر حول الأرض مقابل ثلاثين دورة لرض حول نفسها .

   وهكذا تكون دورة الجرم الجاذب حول نفسه أكثر من دورة المجذوب حول الجاذب، ولا يمكن تقدير حركة الأجرام كلّها بسرعة معيّنة ، لأنّ منها الصغير والكبير والساخن والبارد ، وعلى هذا تختلف سرعة دوران الأجرام .

   وإليك أصغر سيّار مجذوب للشمس وأقربهنّ وهو عطارد ويكمل دورته حول الشمس بمدّة 88 يوماً ، ويكون تقدير دورته مرّة واحدة مقابل ثلاث دورات للشمس على التقريب .

 

س 18 : إذا كانت القوّة الجاذبة تعمل في الجرم البارد أكثر من الساخن ؛ إذاً كيف تكون دورة القمر حول الأرض مرّة واحدة من ثلاثين دورة للأرض حول نفسها على أنّ القمر جرم بارد ، وإنّ عطارد يكمل دورة واحدة حول الشمس لكلّ ثلاث دورات لَها ، على أنّ عطارد جرم ساخن ، فينبغي أن يكون الأمر عكس ذلك ؟

ج : إنّ الجاذبية التي في الأرض لا تكون إلاّ جزءً من مائة جزء من الجاذبية التي في الشمس : لأنّها جرم ملتهب شديد الحرارة كبير الحجم ، وإنّ الأرض جرم صغير بالنسبة إلى الشمس ، ثمّ إنّ وجهها بارد إلاّ أنّ جوفها ساخن ، ثمّ إنّ نسبة القمر إلى الأرض لا تكون كنسبة عطارد إلى الشمس ، فعطارد صغير بالنسبة إلى الشمس ، لأنّ الفلكيين قدّروا حجم الشمس أكبر من الأرض بمليون مرّة ، فكيف بعطارد الذي هو أصغر من الأرض بثلثين ، أمّا القمر فهو كبير بالنسبة إلى الأرض حيث يقدّر حجمه واحد من خمسين من حجم الأرض ، فلذلك أصبح جذبه ثقيلاً على الأرض فإنّها لا يسعها جذبه حولَها مرّة واحدة إلاّ عن ثلاثين دورة لَها حول نفسها .

 

 

سبب دوران الكواكب السيّارة حول الشمس

س 19 : عرفنا سبب ابتعاد السيّارات ، إذاً فما هو سبب دورانِها حول الشمس ؟

ج : قلنا فيما سبق أنّ كلّ جرمٍ ساخنٍ جاذبٌ ويدور حول نفسه ، فلمّا كانت الشمس جرماً ملتهباً أصبحت تدور حول نفسها وجاذبةً للسيّارات إذ هنّ أقلّ منها حرارةً وأصغر حجماً ، ولَمّا كانت الشمس تدور حول نفسها وهي جاذبة للسيّارات أخذت تجذبهنّ معها فيدرْنَ حولَها ، فسبب دوران السيّارات حول الشمس ناتج عن دوران الشمس حول نفسها ، فلو وقفت عن دورتِها لوقفت السيّارات أيضاً ، بل لاقتربنَ من الشمس حتّى يلتصقْنَ بِها . هذا ما بيّنته لك مِمّا علّمني ربّي ، وقد قال الكاتب الأمريكي الشهير (آرثربرزباين) : " نكشف أنّ الأرض تدور حول الشمس ، ولكن لا بدّ لأعظم عالم من الاعتراف بعجزه عن الاهتداء إلى سبب دورانِها ."

وإليك جدولاً يبيّن لك المدّة التي يكمل فيها كلّ سيّار دورته حول الشمس عن كتاب الجواهر :

 

 

عطارد

88

يوماً

الزهرة

225

يوماً

الأرض

365

يوما

المرّيخ

687

يوما

المشتري

4333

يوما

زحل

10759

يوما

أورانوس

30687

يوما

نبتون

60627

يوما

 

 

سبب اختلاف مدّة دوران السيّارات حول الشمس

س 20 : فما هو السبب في اختلاف مدّة دوران السيّارات حول الشمس حيث نرى عطارد يكمل دورته حول الشمس بمدّة 88 يوماً بينما نبتون يكملها بمدّة 60127 يوماً ؟

ج : إنّ ذلك ناتج عن اقتراب سيّار نحو الشمس وابتعاد آخر عنها ، فكلّ جرمٍ قريب إلى الشمس يكمل دورته بمدّة قصيرة ، وكلّ جرمٍ بعيد عنها يكملها بمدّة طويلة .

 

 

سبب اقتراب سيّار نحو الشمس وابتعاد آخر عنها

س 21 : فما هو السبب في اقتراب جرم وابتعاد آخر ، فإذا كانت الشمس جاذبة والسيّارات مجذوبة فينبغي أن تكون على منهج واحد من القرب إلى الشمس أو البعد عنها ؟

ج : إنّ ذلك ناتج عن شيئين :

الأوّل اختلاف السيّارات في الأحجام لأنّ بعضها أصغر من الأرض وبعضها أكبر بكثير ، فكلّما كان السيّار أصغر حجماً يكون أقرب إلى الشمس ، وكلّما كان أكبر يكون أبعد عنها .

وأمّا السبب الثاني هو الحرارة ، فكلّما كان السيّار أبرد يكون أقرب إلى الشمس ؛ لأنّ الجاذبية تعمل فيه أكثر ، وكلّما كان السيّار أشدّ حرارة يكون أبعد عنها ، لأنّ الجاذبية لا تعمل فيه إلاّ قليلاً .

 

   وإليك تجربة تعرّفك صحّة ذلك : خذ ثلاث كرات من الخشب مختلفات الأحجام ، واربط في كلّ واحدةٍ منهنّ خيطاً من المطّاط (كاوچوك) على أن تكون الخيوط متساوية في الطول والمتانة ، وألبس الحلقات سبّابتك وحرّك يدك لتدور الكرات حول سبّبتك واستمرّ في الحركة فإنّك ترى الكرة الكبيرة أخذت تبتعد عن سبّبتك وأمّا الصغرى فإنّها تكون أقرب إلى إصبعك ، وأمّا الوسطى فأوسطهنّ في المسافة وعلى هذا المنهج يكون ابتعاد السيّارات واقترابها من الشمس .

 

( شكل رقم 3 )

 

 

القوّة الدافعة تدفع الجرم الكبير أكثر من الصغير

 

 

سبب دوران الأرض حول نفسها

س 22 : فما هو السبب الذي جعل الأرض تدور حول نفسها ؟

ج : قلنا فيما سبق أنّ كلّ جرمٍ ساخن يدور حول نفسه ، ودورته ناتجة عن الحرارة التي في جوفه وعن الغازات التي تنبعث منه ، والأرض وإن وجدنا وجهها بارداً ولكنّ جوفها لا يزال ملتهباً ، فدوران الأرض حول نفسها ناتج عن حرارة جوفها وحركة أجزائها الباطنية وكذلك باقي السيّارات . وإنّ الأرض سوف تقف عن دورتِها إذا انتهت تلك الحرارة ، كما وقف القمر .

   ومثال ذلك مصباح كهربائي عليه منظر سمك يسبح في الماء ، وهذا المنظر يدور فوق المصباح بسبب الحرارة التي في المصباح .

 

 

الحرارة في الأجرام

س 23 : هل الحرارة هي السبب الوحيد في دوران الأجرام حول نفسِها أم لَها سبب آخر ؟

[تكوين النجوم ] :

ج : الحرارة سبب ثانوي ، وأمّا السبب الرئيسي فهو دورة الجزيئيات حول النواة ، لأنّ الأجرام السماويّة تتألّف من نواة وجزيئيات تدور حولَها بسرعة هائلة فتسبّب فيها حرارة شديدة فتلتهب وتكون سديم لولبي ثمّ نجماً ثمّ شمساً ، فإذا انتهت حياتها تكون أرضاً . فالحرارة التي في الجرام إذاً ناشئة عن دورة الجزيئيات حول النواة بسرعة هائلة ؛ كما أنّ حرارة جسم الإنسان ناشئة عن الدورة الدمويّة .

 

س 24 : إذاً يكون سبب دوران الأجرام حول نفسِها ناتج عن دورة الجزيئيات حول النواة لا بسبب الحرارة .

ج : إنّ الحرارة هي العلامة الفارقة في الأجرام السماويّة ؛ فكلّ جرمٍ ساخن نعتبره حياً فنحكم بدورته حول نفسه ، وكلّ جرمٍ بارد نعتبره ميّتاً فنحكم عليه بعدم حركته حول نفسه ، وحياة الأجرام هي دورة جزيئياتِها حول النواة ، وموت الأجرام وقوف جزيئياتِها عن الحركة حول النواة . ومثال ذلك جسم الإنسان : فإنّ الحرارة فيه تدلّ على حياته ، ويكون سبب تلك الحرارة دورة الدم فيه ، وبرودة جسم الإنسان تدلّ على موته وسبب نلك البرودة وقوف الدم عن دورته ، فالأجرام التي تموت تبرد أوّلاً ثمّ تتقطّع ، فتسمّى حينئذٍ "جماداً" وهي كالحجر والحديد والخشب وغير ذلك .

 

 

الأقمار وتكوينها

إضغط هنا   لترى صورةً لجزءٍ من سطح القمر

http://www.lpi.usra.edu/resources/cla/images/lores/g16.jpg

 

   القمر قطعة أرض صخريّة انفصلت من أرضنا ، وكذلك أقمار السيّارات  انفصلت منها وذلك لأنّ الأرض لَمّا تشقّقت على ما مرّ بيانه صارت تسع قطع وأخذت هذه القطع تدور حول شمسٍ جديدة وهي شمسنا الحاليّة ، ويدور أيضاً كلّ سيّار حول نفسه ، ولَمّا كانت تلك القطع غبر كرويّة بل لَها زوائد أخذت تلك الأطراف تنفصل منها بسبب دورانِها حول نفسِها وتبتعد عنها فصارت تلك الأطراف أقماراً لَها .

   قال الله تعالى في سورة الرعد {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُو سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، فقوله تعالى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} معناه : نفصل منها أطرافَها لتكون كرويّة ولنكون الأطراف أقماراً تنير لَهم . وقال تعالى في سورة الأنبياء أيضاً {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} والمعنى : نقصنا حجمَها في الماضي بأن قطّعناها إلى تسع قطع ، ثمّ أنقصنا منها أطرافَها لتكون الأطراف أقماراً تنير لهم ، ثمّ ننقصها في المستقبل بتمزيقِها فنجعلها نيازك . ومِمّا يؤيِّد هذا قوله تعالى في سورة الطارق {وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} يعني من صفتِها التصدّع فقد تصدّعت في الماضي وستتصدّع في المستقبل .

   وقال تعالى في سورة السجدة {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ .. إلخ } ، فقوله تعالى {وَمَا بَيْنَهُمَا} يعني الأقمار والنيازك لأنّها واقعة ما بين السيّارات .

 

س 25 : وهل في الكون أقمار ٌ غير قمرنا ؟

ج : إنّ أغلب السيّارات لَها أقمار ، وقد اكتشف الفلكيّون لأورانوس ثمانية أقمار [ أُحصِيَ له لحدّ الآن 27 تابعاً] ، ولزحل تسعة [ أُحصِيَ له لحدّ الآن 34 تابعاً] ، وللمشتري ثمانية [ أُحصِيَ له لحدّ الآن 63 تابعاً منها 4 أقمار كبيرة ] ، وللمريخ قمران ، ولنبتون قمر واحد [ أُحصِيَ له لحدّ الآن 13 قمراً وإذا حسبنا بلوتو وغيره يكون العدد أكبر] .

 

س 26 : إذاً كيف لا نراها ؟

ج : لبعدها عنّا ولصغر أحجامِها .

 

س 27 : إذا كان القمر قد انفصل من الأرض بدليل قوله تعالى في سورة الرعد {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .. إلخ } ، إذاً لماذا يقول {مِنْ أَطْرَافِهَا} على الجمع ، فهلاّ قال : من طرفِها ، على الإفراد ؟

ج : قلنا فيما سبق أنّ الأرض إذا جاء ذكرها وحدها غير مقرونة بذكر السماوات  ولم يجمع بينَهما واو عطف فإنّه تعالى يريد بالأرض كلّها إي السيّارات  كلّها ، فقوله تعالى {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} يعني : ننقص المرّيخ فنخرج منه قمرَيه وننقص المشتري فنخرج منه أقمارَه وننقص زحل فنخرج منه أقمارَه وهكذا باقي السيّارات ، والمعنى : ننقص من كلّ سيّارٍ أطرافَه ليكون السيّار كروياً وتكون الأطراف أقماراً تنير لسكّان ذلك الكوكب .

 

س 28 : قال الله تعالى  في سورة يــس {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} ، فما معنى قوله تعالى {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} ؟

ج : يقول عزّ من قائل أنّ الشمس على سعتِها وحرارتِها وأنّها جرم جاذب ، والقمر على صغره وخلوِّه من الحرارة وأنّه جرم مجذوب فالشمس مع ذلك لا تستطيع أن تدركَ القمر فتجذبه إلَيها ، وذلك لبعدِهِ عنها وقربه من الأرض ، وما ذلك إلاّ بحكمتِنا وتقديرِنا .

 

 

مظاهر القمر

   القمر جرم حجري كروي الشكل فيه فوهات كفوهات البراكين ، جوفه بارد ولكنّ وجهَه المقابل للشمس ساخن فقط ولذلك لا يدور حول محورِهِ كما تدور الأرض ، ولكن يدور حول الأرض في الشهر مرّة . قال الله تعالى  عن لِسانِ لقمان في سورة لقمان {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوفِي السَّمَاوَاتِ أَوفِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} ، فالصخرة هنا يريد بها  القمر ، وإنّما قال تعالى {فِي صَخْرَةٍ} ولم يقلْ في الصخرة ؛ أراد في قمرٍ من الأقمار ، ولذلك حذف الألف واللام منها . وإليك تفسير الآية كلّها :

 {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا} أي الحسنة {إِن تَكُ} في الصغر {مِثْقَالَ حَبَّةٍ} أي ثقل حبّة {مِّنْ خَرْدَلٍ} [الخردل : حبّ صغير الحجم جداً أسود مقرّح ، أوراقه كبيرة تشبه أوراق الفجل أو السلق تستعمل في الملح والخلّ كمخلّل وتؤكل ، طعمها حادّ مثل الرشّاد ] {فَتَكُنْ} في البعد {فِي صَخْرَةٍ} من الصخور المنتشرة في الفضاء كالأقمار والنيازك {أَو فِي السَّمَاوَاتِ} الغازيّة {أَو فِي الْأَرْضِ} كلّها ، أي في الكواكب السيّارة  كلّها {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} للحساب ويجازي علَيها {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} بنا حيث هدانا إلى طريق الحقّ {خَبِيرٌ } بأعمالنا وأفعالنا .

   والقمر له وجهان : وجه يقابل الأرض دائماً فيبدو هلالاً تارةً وبدراً تارةً أخرى ؛ وذلك بسبب انعكاس ضوء الشمس عليه وبسبب دورانه حول الأرض ، والوجه الثاني لا نراه أبدً لأنّه يكون بعكس الأوّل .

   والقمر نصفه مضيء دائماً وضياؤه مكتسب من الشمس ونصفه مظلم لا ضياء فيه  ، وبعبارة أخرى في نصف القمر نهار وفي النصف الآخر ليل ، ويكون طول النهار فيه مدّة خمسة عشر يوماً من أيّامنا وكذلك طول الليل وذلك بسبب دورانه حول الأرض وانتقال أشعّة الشمس عليه من جهةٍ إلى جهةٍ أخرى .

 

( شكل رقم 4 )

 

 

القمر في الليلة الثالثة من الشهر

 

   وإنّك لو تأمّلتَ القمر في الليلة الثالثة من الشهر أو ليلة سبع وعشرين ، لرأيتَه كرويّاً ولكنّ الإضاءة تكون على قدر الهلال والباقي منه أظلم ، فمن هذا تعرف أنّ القمر كرويّ .

 

 

تقاطيع القمر

   يدور القمر حول الأرض وبسبب دورته وانعكاس أشعّة الشمس عليه نراه بدراً تارةً وهلالاً تارةً أخرى ومرّةً لا نرى شيئاً منه ؛

   أنظر رقم 1 في الشكل المبيّن على الصفحة المقابلة ، ترى دائرة القمر مظلمة ولا يبدو منه شيء ، ففي هذه الحالة يقال (القمر في المحاق) وذلك في الليلة الأخيرة من الشهر . وسبب اختفائه عنّا لأنّه يكون في تلك الليلة ما بين الشمس والأرض تماماً فيكون وجهه المضيء نحو الشمس والمظلم نحو الأرض فلذلك لا نرى منه شيئاً .

   ثمّ يأخذ في الانحراف نحو الشمال في الليلة الأخرى فيبدو قليلٌ منه كما في رقم 2 فيسمّى (هلالاً) .

   ثمّ يأخذ في سيره حول الأرض قليلاً قليلاً حتّى يكون نصف دائرة وذلك في الليلة السابعة من الشهر، ويقال في هذه الحالة (القمر في الربع الأوّل) ، أنظر رقم 3 .

   ويستمرّ في سيره حول الأرض فيظهر لَنا أكثر حتّى يكون شكلاً غير تامّ الاستدارة ، ويسمّى (الأحدب) ، أنظر رقم 4 .

 

( شكل رقم 5 )

 

 

تقاطيع القمر

      ثمّ يأخذ في سيره حول الأرض في الليلة الرابعة عشرة فيكون تامّ الاستدارة ويسمّى ( البدر ) ، وسبب ذلك أنّ وجهه المضيء يكن نحو الأرض تماماً ونحو الشمس أيضاً ، أي بعكس ما كان عليه في المحاق ؛ فلذلك نرى وجهه المضيء كلّه ولا نرى من المظلم شيئاً ، أنظر رقم 5 .

   ثمّ يأخذ شكله في التناقص متراجعاً إلى حالاته الأولى حتّى يكون ثانيةً (أحدب) ، وذلك بسبب دورته حول الأرض ، أنظر رقم 6 ثمّ يظهر نصف دائرة حين يكون في (الربع الأخير) ، أنظر رقم 7 .

   وبعد ذلك يختفي وجهه المضيء عنّا ولا يظهر منه إلاّ قليل ، فيكون هلالاً كما بدأ إلاّ أنّ تحدّبه يكون تجاه الأفق الشرقي ، أنظر رقم 8 .

   ثمّ يختفي عن النظر حيث يكون في المحاق .

   وتستغرق دورته حول الأرض بِمدّة تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم .

 

 

السفر إلى القمر

[ نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ هذا الموضوع كُتِبَ قبل غزو الفضاء والنزول على سطح القمر

 أي بحدود عام 1366 هج الموافق 1947 م ]

   يطمح الإنسان بالسفر إلى القمر أو الزهرة أو المرّيخ والسياحة فيهنّ واكتشاف المجهول ثمّ العودة إلى الأرض ، فأبدي رأياً في ذلك فأقول : ليس في القمر حياة ولا ماء ولا نبات ؛ لأنّ القمر جرم صغير وبِما أنّ الصغير يبرد قبل الجرم الكبير فقد انتهت حرارة جوفه قبل الأرض بِآلاف السنين وأصبح القمر جرماً بارداً لا حرارة في جوفه ، وبِما أنّ الحرارة هي السبب في دوران الأجرام حول نفسِها ، لذلك أصبح القمر لا يدور حول نفسِه ، والدليل على ذلك  أنّنا نرى لَه وجهاً واحداً على الدوام ، أمّا قول علماء الفلك "بِأنّه يُتِمّ دورتَه حول نفسِه وحول الأرض في وقتٍ واحد" فهو تعليل لا يستند إلى الواقع .

   ولَمّا كان الجرم الصغير مجذوباً للكبير ، والجرم البارد مجذوباً للساخن ، أصبح القمر مجذوباً للأرض لأنّه أصغر منها بكثير ، ولأنّها جرم ٌساخن والقمر جرمٌ بارد ، وبِما أنّ الأرض تدور حول نفسِها بسبب الحرارة التي في جوفِها أخذ القمر يدور حولَها لأنّه مجذوبٌ لَها ، ومثال ذلك كمثل رجل يلاعب ابنه فيمسك يديه ويدور بِهِ ، فترى الأب واقفاً في مكانه ولكنّه يدور حول نفسهِ ، وترى الولد يدور حول أبيهِ ولا يدور حول نفسه ، وترى وجه الولد مقابلاً لِوجه أبيه ما دام الأب آخذاً في الدوران ، فلنجعل الأب مقام الأرض ويديه مقام الجاذبيّة والولد مقام القمر ، فكما أنّ الولد يدور حول أبيه ولا يدور حول نفسه  لأنّ أباه آخذٌ بيديه ، كذلك الأرض آخذةٌ في جذب القمر إلَيها بسبب الجاذبيّة التي في جوفِها ، وآخذةٌ في تدويره حولّها بسبب دورانِها حول محورِها ، فالقمر يكمل دورته حول الأرض في الشهر مرّة ، ولذلك يكون النهار في القمر مقابل 15 يوماً من أيّامِنا وكذلك يكون اللّيل ، فالنهار يكون شديد الحرارة واللّيل شديد البرودة .

إضغط هنا   لترى صورةً لجزءٍ من سطح القمر (عن ناسا)

http://www.lpi.usra.edu/resources/cla/images/lores/g16.jpg

 

( شكل رقم 6 )

 

 

أبٌ يلاعب طفلته

 

   فالصاعد إلى القمر لا يمكنه أن يبقى هناك مدّة طويلة بل يبقى هناك يوماً أو بعض يوم ثمّ يعود إلى الأرض ، فإذا نزل الإنسان في جهة النهار فهناك الحرارة شديدة وأرض القمر ساخنة ، وإذا نزل في جهة اللّيل فهناك البرد شديد .

   هذا ما كتبته قبل صعودهم ، ولكنّهم أزالوا  تلك الصعوبات بإعداد مركبات ولوازم وصعدوا إلى القمر ، وكانت أوّل سفرة لَهم في 20 تَمّوز حيث نزل رجلان على سطح القمر سنة 1969 ميلاديّة ، ثمّ رجعا إلى الأرض بمركبتِهم ، ثمّ توالت الرحلات إلى القمر .

 

س 29 : فما هي الاستفادة من الصعود إلى القمر؟

ج : إنّ الإنسان مغرمٌ بِحبّ الاستطلاع فيودّ أن يحقّق ما وصلَ إليهِ من العلم بالأجرام السماويّة ، ويرى الأرض التي يسكنُها وهي تجري به في أمواج الأثير سابحةً في الفضاء ، تدور حول نفسِها  وتحوم حول الشمس كأنّها فراشة تحوم حول المصباح ، فيأخذ حينئذٍ تصوير الأرض وهو على سطح القمر ، وينظر إلى قاراتِها بِالمنظار ، فيرى حينئذٍ نفسه على أرض ٍ جديدة غير التي كان يسكنها ، ويضيء له قمرٌ جديد أكبر من الذي كان يراه وهو على الأرض بخمسين مرّة .

 

س 30 : إذا صعدنا إلى القمر ونظرنا إلى الأرض ، فهل نراها كهيئة البدر كلّ الأيّام ، أم تكون هلالاً ثمّ بدراً كما هي الحال في قمرنا ؟

ج : إنّ منظر الأرض من سطح القمر كمنظر القمر من الأرض ولا فرق بينهما ، فكما نرى القمر كذلك الأرض نراها تارةً كالهلال ومرةً كالبدر ، ولكنّ الفرق بينهما أنّ القمر يبدو صغيراً بينما الأرض تبدو أكبر منه بخمسين مرّة . والفرق الثاني أنّ القمر ترى له وجهاً واحداً بينما الأرض ترى كلّ أقطارها، فإذا نظرنا إلَيها بالمنظار ونحن على سطح القمر (وذلك عندما تكون الأرض بدراً كاملاً) نراها كشريط سينمائي ترينا قاراتِها وجبالَها وبحارها وما حوته على ظهرِها بمدّة 24 ساعة ! فكأنّما أخذنا نسيح حول الأرض وقطعنا تلك المسافة الشاسعة بالمدّة القصيرة .

 

 

السفر إلى الزهرة خطر

إضغط هنا   لترى صورة الغيمة الدائمة التي تغلّف كوكب الزهرة (عن ناسا)

http://solarsystem.nasa.gov/multimedia/gallery/Venus_Clouds.jpg

 

   كان حجم الزهرة ثلثي حجم الأرض ولكنّها تقلّصت فصغر حجمها قليلاً ، وكانت تكمل دورتَها حول نفسِها بمدّة 16 ساعة فكان الليل فيها ثماني ساعات والنهار كذلك . أمّا الآن فقد وقفت عن دورتِها المحوريّة فصار الليل والنهار فيها سرمديَّين لا يعقب أحدهما الآخر ، وذلك بسبب انتهاء حرارة جوفِها ؛ لأنّ الحرارة هي السبب في دوران الأجرام حول نفسِها ، وكانت قوة الجاذبية المركزيّة تجذب مَن علَيها من الأحياء كالأرض ، ولكنّها انتهت بانتهاء الحرارة التي في جوفِها وأصبحت الزهرة كالقمر ليس فيها جاذبيّة إلاّ ما تكتسبها من حرارة الشمس وذلك في جهة النّهار أي الجهة التي تكون مقابلة للشمس ، وكانت الزهرة مسكونة فيها الحيوان والإنسان والنبات والأشجار وغير ذلك ، ولكنّ الحياة في الزهرة قد انتهت بسبب وقوفِها عن دورتِها المحوريّة فمات سكّانُها وجفّت أشجارها فهلك مَن كان في جهة النّهار من شدّة الحرّ والعطش ، ومات مَن كان في جهة الليل من شدّة البرد والجوع .

   فإذا صعد أحدٌ إلى الزهرة ونزل في جهة النهار فإنّه يهلك مِن شدّة الحرّ ، وإذا نزل في جهة الليل فإنّ البرد هناك شديد والطعام غير ميسور وربّما تجذبه الشمس إلَيها فيهلك في أشعّتها وذلك بسبب خلو الزهرة مِن الجاذبيّة واقترابِها مِن الشمس ؛ فالصاعد إلى الزهرة يرى الديار والنوادي والحوانيت ولكن لا يرى مَن يسكنُها ، ويرى أثاثاً ومتاعاً ولكن لا يرى مَن يملكها ، ويرى أنْهاراً ولكن لا ماء فيها ، ويرى أشجاراً ولكنّها محترِقة بحرارة الشمس .

 

 

السفر إلى المرّيخ ناجح

 

إضغط هنا   لترى أقرب صورة للمرّيخ بتاريخ 26 آب 2003 بواسطة تلسكوب هابل (عن ناسا)

http://hubblesite.org/newscenter/archive/releases/2003/22/image/g/

--------------------------------------------------------------

أقرب صورة للمرّيخ بتاريخ 27 آب 2003 بواسطة تلسكوب هابل (عن ناسا)

أخذت 11 ساعة بعد الصورة الأولى لتُظهر النصف الآخر للمرّيخ))

إضغط هنا  

http://hubblesite.org/newscenter/newsdesk/archive/releases/2003/22/

----------------------------------------------------------------------------------------------------

إضغط هنا   لترى صورة أخرى للمرّيخ (عن ناسا) بتاريخ 10 آذار 1997

Mars -- March 10, 1997

 

وهنا صورة أخرى للمرّيخ بواسطة تلسكوب هابل (عن ناسا)

http://hubblesite.org/gallery/album/entire_collection/pr1997009a/

 

   المرّيخ أكبر من الأرض بأقلّ من مرّتين ، ويكمل دورته حول نفسه بمدّة 44 ساعة على التقريب ، فالنهار فيه 22 ساعة والليل كذلك ، وسنته تعادل سنتين من سنيِّنا على وجه التقريب ، والمرّيخ مسكون فيه نبات وأشجار وحيوان وإنسان وجبال وأنهار وبحار وغير ذلك ، فالسكنى في المرّيخ صالحة لأنّ الصاعد إليه يجد فيه الماء موفوراً والغذاء ميسوراً والفاكهة كثيرة ولا ندري ما إذا كان المناخ ودرجات الحرارة ومكوّنات الهواء هناك ستلائم  إنسان الأرض أم لا تلائمه ولكنّنا نعتقد أنّها صعوبات سيستطيع الإنسان قهرها أو تكيّفَها على الأقلّ .

 

 

الهجرة إلى المرّيخ

   تدور الأرض حول نفسِها بسبب الحرارة التي في جوفِها فيتكوّن من دورتِها الليل والنهار ، وسوف تنتهي تلك الحرارة بسبب انفجار البراكين وخروج النار والغازات منها إلى الخارج ، وستقف عن دورتِها المحوريّة بعد مرِّ السنين والدهور ، كما وقفت عطارد والزهرة من قبل ، فحينئذٍ يكون الليل والنهار سرمديّين لا يعقب أحدهما الآخر ، فتشتدّ الحرارة حينذاك في جهة النهار فتتبخّر الأنهار وتحترق الأشجار وتهلك الحيوانات ، فيموت الناس في ذلك الحين من شدّة الحرّ والعطش والجوع ، وأمّا الذينَ يسكنون في جهة الليل فإنّهم يموتون من شدّة البرد والجوع ، فذلك الوقت يكون الموت في الأرض والحياة في المرّيخ ، قال الله تعالى  في سورة يونس {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ..إلخ }

 

ملحوظة [حول الصوَر الملتَقطة للمرّيخ] :  لقد أخذ الأمريكان تصوير قسمٍ مِن المرّيخ بمركبتِهم وذلك في سنة 1965 ميلاديّة فقالوا لم يظهر في الصور ما يدلّ على وجود حياة في المرّيخ . أقول لقد لقطت آلة التصوير قسماً من صحراء المرّيخ القاحلة صدفةً ولم تصادف المنطقة المسكونة من المرّيخ لتنقل صورتَها إلى الأرض ، وسيتحقّق ذلك في المستقبل .

[ لقد أرسل الأمريكان مؤخّراً عدّة مركبات آخرها فينيكس التي هبطت على المرّيخ بتاريخ 25 أيار 2008 والبحث جارٍ عن مظاهر الحياة هناك .]

 

لقاء مرتقَب بين سكّان الأرض وسكّان الكواكب الأخرى

   يتركّز اهتمام علماء الفلك في الوقت الحاضر في البحث عن احتمال وجود حياة في الكواكب السيّارة  الأخرى كالمرّيخ والمشتري وزحل وغيرها ، وقد أعدّوا العدّة لذلك وخطّطوا له ، فصمّموا إشارات وعلامات يمكن أن تُبَثَّ عبر الفضاء للاهتداء بواسطتِها والتفاهم بين سكّان الأرض وأيّ مخلوقات عاقلة يُحتمَل وجودها في تلك الكواكب .

   وفي هذا الصدد يمكن القول بكلّ ثقة وتأكيد بأنّ هذا الاحتمال سيكون حقيقة واقعة إنْ شاء الله . وسواءً سيكون هذا الحدث المهمّ والخطير عاجلاً أم آجلاً فسوفَ تشهد البشريّة يوماً من الأيّام لقاءً حميماً وحاراً وربّما مثمراً أيضاً بين سكّان الأرض وأحد الكواكب السيّارة  ، ولعلّ أقرب الكواكب المرشَّحة لِهذا اللقاء أو لِهذا الحدث هو المرّيخ نظراً للمعلومات الأوّليّة التي حصل علَيها العلماء عن هذا الكوكب والتي تؤكّد وجود المياه وعناصر الحياة الأخرى على ظهره . والدليل على ما أقوله من حدوث هذا اللقاء المرتَقَب هو قوله تعالى في سورة شورى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُو عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ}

[التفسير]:

{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي من علامات وجوده خَلق الكواكب السيّارة ومن جملتِها الأرض ،

{وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ} يعني وما نشر فيهما من مخلوقات تدبّ وتمشي عليهِما . ثمّ قال تعالى {وَهُو عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ} ، وهنا تصريح واضح عن إمكانيّة اجتماع سكّان الكواكب السيّارة  بأهل الأرض ، ولو قصد سبحانه وتعالى بذلك يوم القيامة حيث تُحشر وتجتمع النفوس للحساب لَما قرَن ذلك بالإشاءة حيث قال {إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ}، بل لَجاءَت صيغة الآية على التأكيد كما يُلاحَظ ذلك في كثيرٍ من آيات القرآن التي تؤكّد حقيقة الحشر يوم القيامة  للحساب والجزاء كقوله تعالى في سورة يــس {إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} وكذلك قوله تعالى في نفس السورة {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ} . ثمّ إنّه سبحانه وتعالى خصّ هذا الاجتماع بالقدرة عليه بقوله {قَدِيرٌ} لأنّ البشريّة يصعب عليها اليوم هذا الاجتماع بدون سلطان إلى ذلك . ولكنّ الله جلّت قدرته لا يصعب عليه شيء ، بل هو قادرٌ على أن يجمع بين أهل الأرض وسكّان الكواكب الأخرى كالمرّيخ مثلاً في الحياة الدنيا قبل الآخرة وذلك بِإلهام الإنسان العلم والمعرفة لبلوغ طموحه المشروع لاكتشاف المجهول في آفاق السماوات  والأرض . وعلى أيّة حال فإنّنا لا نريد أنْ نستبِقَ الأحداث فنتكهّن ماذا سيحدث بالضبط ولكنّنا نتوقّع أياماً حبلى بِالمفاجآت في مجال الفضاء وإنّ غداً لِناظره قريب!

 

 

النجيمات

[خطأ الفلكيّين حول النجيمات 2 ]

إضغط هنا   لترى صورة النجيم عايدة و داكتيل

http://antwrp.gsfc.nasa.gov/apod/image/0406/idadactyl_galileo_big.gif

 

   يقول الفلكيّون أنّ النجيمات كواكب صغيرة تدور حول الشمس بين مدارَي المرّيخ والمشتري ومعظمها يكمل دورته في ثلاث سنين ونصف السنة وبعضها الآخر بستّ سنين ، والنجيمات لا يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة باستثناء فيستا .

   وأقول أن النجيمات ليست بكواكب سيّارة ولكنّها توابع للكواكب السيّارة وذلك كالنيازك والأقمار ، فما كان منها يكمل دورته حول الشمس بِمدّة أقصر فهو تابع للمرّيخ وما كان بِمدّة أطول فهو تابع للمشتري . أو أنّها أجرام ناريّة مثل ذوات الذنب .

   فلو كانت كواكب سيّارة لاقتربت من الشمس بسبب صغرها وذلك على منهج القوّة الجاذبة والقوّة الدافعة .

 

 

الكسوف والخسوف

   إنّ الأجرام السماويّة ليست متساوية الأبعاد عن الأرض ، ومن هذا يصادف أن يمرَّ جرمٌ أمامَ جرمٍ آخر بيننا وبينه فينتج عن ذلك حجب الجرم الثاني عن نظرنا ، ففي الكسوف يتّفق أن يمرّ القمر بين الأرض والشمس بالتمام فيحجب نورَها عنّا .

   وهنا يخطر للقارئ أن يسأل : كيف يمكن للقمر أن يحجب نور الشمس وهي أكبر منه بكثير ؟ والجواب هو أنّ الشمس والقمر يظهران كأنّهما متساويا السعة لأنّ القمر أقرب إلى الأرض من الشمس .

   وتكاد تكون النسبة بين بعد الجرمَين المذكرَين عن الأرض تساوي النسبة بين سعتَيهما ، وحينئذٍ يتّفق مرور القمر بيننا وبين الشمس تماماً . فالذينَ في المكان المقابل لمركزهما يرَون القمر عند تكامل الكسوف قد غطّى وجه الشمس كلّه . وهذا ما نطلق عليه "الكسوف الكلّي". وإذا كانت الشمس في أقرب بعدها عنّا فإنّ وجهَها يكون أوسع من وجه القمر ، ويُرى أنّه غطّى وجهَها كلّه وترك حلقة ضيّقة حولَه ، وهذا ما يسمّيه الفلكيّون "الكسوف الحلقي" . وإذا مرّ قرص القمر أمام جانبٍ من قرص الشمس فإنّ الكسوف يكون "جزئيّاً" .

   وقبل تكامل الكسوف الكلّي أو الحلقي يمرّ القمر على وجه الشمس ، وعند تكامل الكسوف يأخذ القمر في الانجلاء عن وجه الشمس تدريجياً وببطء إلى أنْ يتمّ الانجلاء وترجع إلى حالتِها الأولى في البهاء والسناء . وأكثر ما يحدث في السنة خمسة كسوفات وأقلّ ما يحدث كسوفان .

  أمّا الخسوف فيختلف عن الكسوف وتعليل ذلك أنّ للأرض ظلاً يمتدّ وراءها إلى مسافة تقرب من 900 ألف ميل ، فإذا اتّفق ووقع القمر في هذا الظلّ أثناء سيره في فلكه حول الأرض حصل "خسوف كلّي" ، فإذا صادف ووقع جزء منه في الظلّ شمله خسوف لذلك الجزء ويطلق عليه "خسوف جزئي" .

   وقد استطاع الفلكيّون أن يحسبوا أوقات الكسوف والخسوف ، وأن يتنبأوا عن حدوثِهما قبل وقوعِهما .

وقد لا يحدث في العام خسوف ما ، وقد يحدث كسوفان وثلاثة خسوفات ، وأكثر ما حدث خمسة كسوفات وخسوفان ، وفي غالب الأحيان لا يزيد عدد الكسوفات والخسوفات على أربعة .

 

 

النيازك

إضغط هنا   لترى صورة لمذنّب سقط في المكسيك عام 1969

http://en.wikipedia.org/wiki/Image:AllendeMeteorite.jpg

   النيازك أجرام باردة لا حرارة فيها لأنّها قطع أرضيّة وتسمّى أيضاً "الأحجار السماويّة" ، وهي مختلفة في الأحجام ، فمنها بقدر الجبل وبعضها أكبر وأصغر ، وأصغرها يكون بقدر نصف متر مربّع . وهي مجذوبة للأرض كالقمر لأنّها أجرام باردة والأرض جرم ساخن ، وكذلك كلّ سيّار له نيازك مجذوبات له ، ويختلف بعدها عن الأرض على اختلاف أحجامِها ؛ فالصغير منها بكون قريباً إلى الأرض ، والكبير يكون بعيداً عنها ، وذلك على منهج القوّة الجاذبة والدافعة .

   والنيازك تدور مع الأرض من اليمين إلى الشمال كما يدور القمر ، وأصل النيازك بقايا سيّارات تمزّقت في قديم الزمان بعد أن قامت قيامتها ، ويكثر فيها وجود الفلزات كالحديد والرصاص والكروم والنيكل والبلاتين وغير ذلك ، وبعض الأحيان يسقط منها في أوربا وغيرها من الأقطار فيجدون فيها من هذه المعادن .

   ومن طريف ما يُروى أنّه سقط في سنة 1620 م في البنجاب حجر جوّي عمل من حديده الإمبراطور (جهانكير) سيفاً كانت العامّة تدعوه "سيف الصاعقة" .

   ويوجد في المتحف الأمريكي بنيويورك [ المعروف بمتحف التاريخ الطبيعي ] نيزك يزن 36 طناً ونصف طنّ ، وحجمه 385 قدماً مكعباً .

   وسقط نيزك سنة 1908 في جهات سيبريا قرب (فنوفارا) كبير جداً ويقدّر وزنه بأكثر من 136 طناً .

   ويُقدّر ما ينزل من رماد وحجارة النيازك على الأرض أكثر من أربعين ألف طنّ في كلّ يوم .

   وجاء في مجلّة الهلال العدد 295 لسنة 1975 صحيفة 49 تحت عنوان (الهنود والإسبان) : " سمع الرحّالة الإسبان الأوائل من الهنود الذين يعيشون في شمال الأرجنتين يتحدّثون عن كتل من الحديد سقطت من السماء في (حقول السماء) كما كانوا يطلقون عليها في ذلك الوقت . وفي الحال تكوّنت بعثات فيما بين الأعوام 1774 و1776 لفحصِها على أمل أن يعثروا فيها على كميّات من الفضّة مثل تلك التي عثروا عليها في بيرو من قبل . ودلّت العيِّنات التي عادوا بِها على أنّها من الحديد الخالص .

   ولكنّ المغامرين الإسبان لم يقنعوا بِما اكتشفوه فأرسَلوا بعثات أخرى للتنقيب على أمل العثور على مناجم من الحديد .وعهِد بِهذا العمل إلى الضابط ميجيل روبين دي سليس من البحريّة الإسبانيّة الملكيّة فواصَلَ عمليّات التنقيب والحفر ، ولكنّ الرمال التي تراكمت أخفَتْ تحتَها كتلة أخرى زنتُها 15 طناً ولم يُعثَر عليها بعد ذلك .وأخيراً وفي عام 1803 عُثِر على كتلة أخرى في نفس المنطقة زِنَتُها طنّ واحد ، اقتنعَ العلماء بِأنّها من النيازك التي سقطت على الأرض فأرسَلوها إلى المتحف البريطاني بِلندن ."

   وقد سقط نيزك في العراق قرب مدينة كركوك فتحطّم يبلغ وزنه 35 كيلو، وذلك في 20 من شهر آب سنة 1977 ميلاديّة ، وكان سقوطه نهاراً ولونه رمادي فيه تبلور ، وقد نقلوا أحجاره إلى المتحف .

   والخلاصة أنّ النيازك كانت أراضي مسكونة وفيها نبات وحيوان وإنسان كما في أرضنا وكانت مجذوبة للشمس التي تمزّقت وتدور حولَها، ولَمّا تشقّقت تلك الشمس تَمزّقت سيّاراتُها معها فصارت نيازك .

   وكذلك أرضنا إذا قامت قيامتها فإنّها تتمزّق وتكون نيازك ، والنيازك يأتي ذكرها في القرآن بلفظة "جبال" وسيأتي شرحها في ذكر الجبال . قال الله تعالى  في سورة هود {فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ . مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} فالحجارة هنا يريد بِها النيازك . وقال عزّ من قائل في سورة سبأ {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَو نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء ..إلخ } والمعنى : إن نشأ نسقِطْ عليهم نيازك من الفضاء لأنّ الكِسَف معناها القِطع ، ويريد بِها النيازك . وقال تعالى في سورة الطور{وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} فالكِسَف يريد بِها النيازك . وقال تعالى في سورة الحديد {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..إلخ } فالحديد الذي ذكره هنا أنزله في النيازك . وقال تعالى في سورة النمل{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} فالجبال هنا يريد بِها النيازك ، والدليل على ذلك تشبيهها بالسحاب لأنّ النيازك تسير فوقنا كالسحاب ، وذلك مِن إتقانِه لِمصنوعاتِه ومخلوقاتِه فهو الذي أتقنَ كلّ شيء . وكذلك الجبال التي على الأرض تسير مع الأرض في الفضاء حول الشمس وتدور الأرض بِما فيها من جبال حول نفسِها ولا نشعر بِها بل نحسبُها ثابتة جامدة في مكانِها .

 

س 31 : كيف تسير هذه الأجرام في الفضاء ولا تسقط على الأرض ؟

ج : كما لم يسقط القمر ؛ وذلك لأنّ الأرض فيها قوّة جاذبة بسبب الحرارة التي في جوفِها ، وفيها قوّة دافعة بسبب دورانِها حول نفسِها .

 

س 32 : إذا كانت هذه الأجرام موجودة في الفضاء فكيف لا نراها وقد قال تعالى{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } ؟

ج : لأنّها أجرام صغيرة ، وقد نرى بعضَها يضيء في الليل إلاّ أنّنا نظنّها نجوماً ، وأمّا كلمة {تَرَى} فمأخوذة من الرأي ومعناه العلم وليس معناها النظر وذلك كقوله تعالى في سورة الفيل {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ}

 

س 33 : أليست الأرض غنيّة بخامات الحديد ، فلماذا مَنّ سبحانه علينا بالحديد الساقط مع النيازك وهو قليل بالنسبة لِخامات الحديد الموجودة على وجه الأرض ، وذلك كقوله تعالى{وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ؟

ج : إنّ الموجود على الأرض هو خامات الحديد وليس فيه حديد طلق ، وأمّا الذي في النيازك فهو حديد طلق وليس بخامات وإنّ الناس كانوا لا يعرفون تصفية الحديد من خاماته فلذلك كانوا يأخذون الحديد الساقط من النيازك ويعملون منه آلات حديدية كالسكاكين والفؤوس والمناشير وغير ذلك .

   وإنّما لا يوجد الحديد حراً على الأرض لأنّه يتأكسد بواسطة الأوكسجين الموجود في الهواء وأمّا الذي في النيازك فلا يتأكسد لأنّ الأوكسجين هناك قليل .

 

 

نيزك ميركسن

إضغط هنا   لترى عدّة صور لهذا النيزك

http://rst.gsfc.nasa.gov/Sect20/A12a.html

http://science.nasa.gov/headlines/y2001/ast20dec_1.htm

http://en.wikipedia.org/wiki/Murchison_meteorite

   ذكرت مجلّة (العلم والحياة) في عددِها الثاني عشر ، السنة الثالثة ، آذار سنة 1971 ما يلي : " في أيلول عام 1969 سقط نيزك في أستراليا عند مدينة ميركسن ، وقد قام بدراسة شظايا هذا النيزك فريق من علماء الوكالة الوطنيّة للملاحة .. وقد تمكّن هؤلاء العلماء باستعمال طرق تحليلية دقيقة من العثور في هذا النيزك على ستّة عشر حامضاً أمينياً ، وهي المكوّنات الأساسيّة لبروتينات الحياة . ولقد كان خمسة فقط منها من الأنواع المعروفة (وعددها عشرون) الموجودة في أجسام أحياء الأرض . ووجدوا كذلك على هذا النيزك مواد عضوية (هايدروكاربونيّة) من النوع الموجود على سطح الأرض .

   ولقد كان لِهذا الاكتشاف أهميّة كبيرة لا من حيث كون هذه الحادثة هي الأولى من نوعِها التي يكتشف فيها حوامض أمينية على نيازك أو اكتشاف بكتريا متحجّرة ، بل من حيث كونِها الحالة الأولى التي يؤكَّد فيها أنّ مصدر هذه الموادّ هو(خارج) الأرض ولم تنشأ نتيجةً للتلوّث بِمواد أرضية لِلأسباب الآتية :

1. استبعاد مصدر هذه الحوامض الأمينية من التلوّث بِمواد أرضيّة ، بسبب كون بعض هذه الحوامض الأمينية ليس لَها نظير على سطح الأرض .

2. إنّ نسبة الكاربون 130 في نيزك ميركسن هي كنسبته في نيازك أخرى وتختلِف هذه النسبة اختلافاً كبيراً عن نسبة هذا الكاربون في الحياة الأرضيّة .

3. إنّ التحليل الضوئي (الطيفي) لأحد مجاميع المركّبات الهايدروكاربونيّة الموجودة على نيزك ميركسن تختلف اختلافاً كبيراً عن طبيعة ما يقابلُها على سطح الأرض . وقد خلص العلماء للأسباب أعلاه إلى أنّ الموادّ المكتَشَفة على نيزك ميركسن هي غير أرضيّة ، وإنّ (الحوامض الأمينيّة والهايدروكاربونات) نشأت في مكانٍ خارج الأرض . إنّ اكتشاف حوامض أمينيّة في أجرام صغيرة كنيزك ميركسن فتح لَنا صفحة جديدة من احتمال وجود موادّ عضويّة كهذه أو أكثر تعقيداً منها ، أو وجود موادّ حيّة في أجرامٍ أكبر كسيّار المرّيخ والزهرة ." انتهى .

 

 

الجبال

إضغط هنا   لترى صورة لسلسلة جبال هملايا الضخمة من مكوك الفضاء (عن ناسا)

http://rst.gsfc.nasa.gov/Sect12/Sect12_4.html

   الجبال التي في الأرض هي أربعة أنواع :

1.     منها ما تكوّن بسبب البراكين ،

2.     ومنها بسبب عوامل التعرية والتآكل وتقلّبات حوادث الخسف والزلزال ،

3.     ومنها بسبب تقلّص الأرض وتكسّر وجهِها وهي الجبال السلسليّة المستطيلة [وفي متحف بيروت ترى أسماكاً متحجِّرة وجدوها في جبل من الجبال ببيروت مِمّا يثبت أنّ ذلك الجبل كان في قديم الأزمنة تحت سطح البحر وكانت تلك الأسماك تسبح فوق أرضه ، ولّمّا تقلّص سطح الأرض تكسّر وجهُها فارتفعت منها طبقات وانخفضت أخرى بسبب تقلّصها فصارت المرتفعات جبالاً]،

4.     وأكثرها تكوّن بسبب سقوط النيازك على الأرض ، ولا تزال النيازك تسقط أحياناً في بعض البلاد حتّى يومِنا هذا .

   قال الله تعالى في سورة النحل{وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فالرواسي يريد بِها الجبال ، فهي نيازك رَسَتْ على الأرض أي ثبتت عليها ورسخت فيها . وقال تعالى في سورة الرعد {وَهُو الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ..إلخ } فالرواسي هي الجبال . وقال تعالى في سورة الحجر{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} فقوله تعالى {وَأَلْقَيْنَا} بمعنى ألقى النيازك من الفضاء على الأرض فرَسَتْ فيها وصارت جبالاً . وقال تعالى في سورة فصلت{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} ، وقال تعالى في سورة النازعات {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} ، فالجبال يريد بها  النيازك ، , أرساها معناها أثبتَها على الأرض . وقال تعالى في سورة الرعد{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ .. إلخ } ، فقوله تعالى{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ} يعني هي من غير الأرض {مُّتَجَاوِرَاتٌ}جاور بعضها بعضاً بعدما كانت متفرّقة في الفضاء ، والقطع يريد بِها النيازك لأنّها جاءت إلى الأرض من الفضاء . وقال عزّ من قائل  في سورة الحديد { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ..إلخ } يعني أنزل الحديد مع النيازك فصار منها جبال . وقال تعالى في سورة الغاشية {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ . وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ .} أي نُصِبت على الأرض وهي النيزك نُصِبت على الأرض فصارت جبالاً .

   وأمّا الجبال التي تكوّنت من عوامل التعرية والتآكل فيدلّ عليها قوله تعالى في سورة فاطر {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فقوله تعالى {وَمِنَ الْجِبَالِ} معطوف على قوله {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} والجُدَد بالضمّ جمع جديد ، ومن ذلك قول النابغة :

والأدم قد خيِّستْ فتلاً مرافقُها     مشدودةٍ بِرِحالِ الحيرةِ الجُددِ

والمعنى : وأخرجْنا بماء المطر جبالاً جديدة غير الجبال القديمة ، وذلك لأنّ الأمطار تُذيب غاز ثاني أوكسيد الكربون الموجود في الهواء فيتكوّن حامض الكاربونيك فيذيب هذا الأخير من الأحجار الكلسيّة التي في الجبال فتنزل إلى البحار أو الأراضي المنخفضة فتتحجّر ثانيةً ، وهكذا تستمرّ العمليّة على مرّ السنين حتّى يصبح جبل جديد .

   وأمّا قوله تعالى {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} فتقديره : وكوّنّا بِماء المطر غرابيب سود ، ومفرده غربيب وهو الفحم . يُقال "أسود غربيب" أي يشبه الفحم في سواده ، ومن ذلك قول امرئ القيس :

والماء منهمِرٌ والشدُّ منحدِرٌ     والقصب مضطَمِرٌ واللّونُ غِربيبُ

كما يقال "أخضر حشيش" و"أحمر دم" ، ويريد بذلك الفحم الحجري لأنّه يتحجّر بواسطة حامض الكاربونيك المتكوِّن بسبب الأمطار ، وإنّما قال تعالى {غَرَابِيبُ} على الجمع ولم يقلْ "غربيب" على الإفراد لأنّ الفحم الحجري على أربعة أقسام .

   والخلاصة أنّ النيازك والجبال يأتي ذكرهما في القرآن بإسمٍ واحد وهو"جبال" .

 

 

الحياة انتقاليّة

   إعلم أنّ بذرة الحياة لم يكن  منشؤها من الأرض حيث أنّها مع باقي السيّارات كانت شمساً ملتهبة ، ولا يمكن أن تنشأ الحياة من النار ولكنّ الحياة انتقلت إلى أرضِنا من السيّارات  القديمة الّتي تمزّقت وصارت نيازك ؛ فإنّ بعضها سقطت على الأرض فصارت جبالاً، ولَمّا كانت تلك السيّارات  مسكونة وفيها من النبات والأشجار والحيوان بقيت بذورها في تلك القطع التي صارت جبالاً على أرضنا ، ولَمّا نزلت عليها مياه الأمطار أخذت تلك البذور وبقايا الأشجار تنمو وتكبر بسبب المياه ، قال الله تعالى في سورة الأنبياء {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} ، ثمّ خلقَ الله تعالى من تلك الرمم البالية حيوانات وطيوراً وبشراً ، وبعد ذلك نزلت هذه المخلوقات من تلك وتفرّقت في الأرض وأخذت تتناسل وتتكاثر حتّى ملأت الأرض ، فالحياة إذاً انتقاليّة من سيّار إلى سيّار آخر .

[خلق آدم ]

   فإنّ الله تعالى خلقَ آدم وحوّاء على جبلٍ من تلك الجبال التي كانت سيّارات وتمزّقت ، ثمّ نزلا من الجبل إلى الأرض المستوية فتناسلوا وتكاثروا وانتشروا في ألأرض . قال الله تعالى في سورة البقرة {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ}، فالجنّة هي البستان والمزرعة ، قال الشاعر :

كانت لهم جنّةٌ إذ ذاكَ ظاهرةٌ     فيها الفراريس والفومان والبصلُ

   وقال الله تعالى في سورة المؤمنون {فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} بعني بساتين من نخيلٍ وأعناب ، فالجنّة التي كان آدم يسكنها كانت فوق جبلٍ من تلك الجبال التي سبق الكلام عنها . والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة طه {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ..إلخ } يعني اهبطا من الجبل إلى الأرض المستوية ، فالهبوط معناه النزول من محلٍّ مرتفع إلى محلٍّ منخفض ، كقوله تعالى في قصّة نوح في سورة هود {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} فهبوط نزح كان من الجبل إلى الأرض المستوية لأنّ السفينة رسَتْ على جبل الجودي .

   فإنّ الله تعالى خلقَ آدم وحوّاء من تلك الرمم البالية التي في ذلك الجبل ، قال الله تعالى في سورة الحجر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، فالصلصال هو الطين ، والحمأ معناه الأسود ، والمسنون معناه المنتنّ ، أي من طين أسود منتنّ ، وذلك لأنّ مياه الأمطار لَمّا نزلَتْ على تلك الأتربة التي هي من بقايا الرمم البالية صارت طيناً وانتنّتْ ، فخلَقَ الله تعالى من ذلك الطين آدم وحوّاء . وقال تعالى في سورة ص {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ} .

 

[أجناس البشر الأربعة]

   ثمّ إنّ آدم لم يكن أوّل بشرٍ خلَقَه الله تعالى على هذه الأرض بل خلَقَ قبله من البشر ما لا يُحصى ولا يعدّ ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، فالخليفة هو الذي يخلف ما قبله كقوله تعالى في سورة يونس {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} ، فلو لم يكن قبل آدم بشر لَما سمّاه الله خليفة ، والدليل الثاني قول الملائكة [ كما في الآية التالية ] : {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، فإنّ الملائكة لا يعلمون الغيب فكيف عرفوا أنّ أولاد آدم يُفسِدون في الأرض ويسفكون الدماء لو لم يَرَوا ذلك مِمّن مضى قبل آدم .

   ثمّ إنّ البشر الموجودين اليوم على أرضنا ليس كلّهم من آدم بل من أربعة أشخاص ، فأحد هؤلاء الأربعة أبونا آدم ، والثاني أبو السودان ، والثالث أبو الهنود الحمر ، والرابع أبو الصينيّين . فالذين ركبوا في السفينة مع نوح كانوا من أنواع البشر الأربعة وليسوا كلّهم من آدم ، والدليل على ذلك  قوله تعالى سورة هود {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} .

   وقال الله تعالى في سورة الرحمن {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} ، قال المفسِّرون أنّ الآية تُشير إلى شروق الشمس صيفاً وشتاءً ، وكذلك غروبُها يختلف وقت الصيف عن وقت الشتاء . وأقول ليس المراد بذلك شروق الشمس وغروبها ولا المكان الذي تُشرق عليه الشمس أو تغرب ، بل المراد بذلك البشر الذين يسكنونَ جهةَ المشرق والذين يسكنون جهة المغرب ، وهما نوعان يسكنان جهة المشرق : الجنس الأبيض وهم أولاد آدم والجنس الأصفر وهم أهل الصين . وكذلك الذين يسكنون جهة المغرب  وهما الجنس الأسود وهم الحبشة والسودان ، والهنود الحمر وهم سكّان أمريكا الأصليّين ، فهذه أربعة أجناس .

   وتعليل ذلك أنّ النيازك التي نَقَلَت الحياة إلى أرضنا هي أربعة ، وكانت من أربعة سيّارات متمزّقة ، فسقط كلٌّ منها على قطرٍ من أقطار الأرض ، فخلق الله تعالى من كلّ نيزك نوعاً من البشر ، ولذلك أصبح الجنس البشري أربعة وهم :

1.     الجنس الزنجي : - ويمتاز أفراده بشعرهم المجعّد ، وبشرتِهم السوداء وأنفهم الكبير المفرطَح ، وشفاهِهم  الغليظة ، وأعينِهم البارزة ، وأسنانِهم الكبيرة . وأفراد هذا الجنس هم سكّان أفريقيا الوسطى والجنوبيّة وتسمانيا وأستراليا والفلبين .

2.     الجنس المنغولي : - ولِهؤلاء شعر أسود سبِط وبشرة صفراء ، ووجه مدوّر بارز الوجنات ، وأنف صغير ، وأعين عميقة ، وأسنان متوسّطة الحجم ، وهم سكّان آسيا الوسطى والشماليّة والتركستان والإسكيمو والملايو.

3.     الجنس الأحمر : - وهم الهنود الحمر سكّان أمريكا الأصليّين .

4.     الجنس القوقاسي : - ويتّصف أفراده بِشعرٍ ناعم سبِط أو متجعِّد قليلاً أشقر أو أسود وبشرة بيضاء أو سمراء ، ولِحى كاملة ، ووجنات غير بارزة ، وأنف متوسّط الحجم ، وأسنان صغيرة ، وهم سكّان أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا وجنوبِها .

   فالجنس القوقاسي من نسل آدم ، وأمّا الثلاثة المتقدّمة فلكلٍّ منهم أب خاصّ ، فإنّ الله تعالى خلقَ هؤلاء الثلاثة قبل أن يخلق آدم بِآلاف السنين ، ولذلك صار آدم خليفة لأنّ الله تعالى خلَقَه بعدهم . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة هود في قصّة نوح : {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقوله تعالى {وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} يعني وعلى الأجناس الأخرى الذين ركِبوا معك في السفينة ، وكان بعضهم من الجنس الأسود وبعضهم من الجنس الأصفر .

   وإنّ أولاد آدم تزوّجوا من بنات الصينيّين ومن بنات السودان ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان {وَهُو الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} ، فقوله تعالى {خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا} يعني أولاد آدم خلَقَهم من ماءٍ دافق وهو النطفة ، وقوله {فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} النسب هم أقرباؤك ما تناسل من جدِّك ، يعني أعمامك ؛ والصهر أخوالك ، يعني الذين اتّصلوا بكَ بِالمصاهَرة أي بِالزواج فأخذتَ منهم امرأة أو أعطيتّهم امرأة ، والشاهد على ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري :

يعتادُني شَوقٌ فأذكرُها     من غيرِ ما نسبٍ ولا صِهرِ

يعني ليس بيني وبينَها قرابة ولا مصاهَرة . وقال امرؤ القيس :

لأخٍ رَضيتُ به وشاركَ في     الأنسابِ والأصهارِ والفضلِ

   فأولاد آدم يرجع نسبُهم إلى آدم ولكنّهم صاهَروا الأجناسَ الأخرى فاختَلَطوا ، فتزوّجَ بعضُهم مِن بنات الصين الجنس الأصفر فصار صِهراً لَهم ، وتزوّج بعضُهم من الجنس الأسود فصار صِهراً لَهم . وإنّ أكرمَهم عند الله أتقاهم . وقال تعالى في سورة الرحمن {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} .

 

س 34 : إذا كانت البشر من أربعة أجناس ولم تكن كلّها من آدم ؛ إذاً فما معنى قوله تعالى في سورة النساء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. إلخ } ؟

ج : كان الخطاب موجَّهاً في بادئ الأمر لِقريش فقط ، أي لأهل مكّة ومَن حولَها وليس لجميع سكّان الأرض ، ويؤيِّد ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام {وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} يعني مكّة ومَنْ حولَها . والدليل على أنّ الخطاب كان لأهل مكّة قوله تعالى في سورة التوبة {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } يعني من عشيرتكم ومن لغتكم ومن بلدتكم فلماذا تنكرون عليه قوله وقد تعلمون أنّه الصادق الأمين . فكان الله تعالى إذا خاطب أهل مكّة قال {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} ، وإذا خاطب أهل المدينة قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} . وبعد ذلك شمل جميع أهل الحجاز ثمّ جميع المدن الإسلاميّة ، أمّا اليوم فيكون إنذاراً لجميع الناس .

   ويؤيِّد ما ذكرناه قوله تعالى في سورة الإسراء {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} ، فإنّ الله خصّ بني آدم بالتفضيل على سائر البشر ، ولو أنّه تعالى أراد بذلك تفضيل البشر على سائر الحيوانات كما ذهب إليه بعض المفسّرين لقال : ولقد كرّمنا البشر وحملناهم في البرّ والبحر . وقال تعالى في سورة الفرقان {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا} .

{لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} ، فكلمة {أَنَاسِيَّ} جمع أناس ، فلو كان البشر كلّهم من آدم لقال تعالى : ونسقيه أنعاماً وأناساً كثيراً ؛ فالإنسيّ هو البشر ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم حاكياً عن قول المسيح لأمّه مريم {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} يعني لن أكلِّم بشراً .

   كما قال تعالى في سورة المدثر{لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } ؛ لأنّ الأجرام السماويّة تراها البشر كلّها لا بني آدم خاصّةً ، ثمّ لو أنّه تعالى كرّم البشر كلّهم على سائر خلقه إذاً لم يجعل فرقاً بين الحرّ والعبد بقوله تعالى في سورة البقرة {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ، فجعل سبحانه فرقاً في القصاص بين الحرّ والعبد .

 

س 35 : فما معنى قوله تعالى في سورة البقرة {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ؟

ج : {وَإِذْ قَالَ} أي واذكر إذ قال {إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي} أي فهِّمْني {كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} أي ألستَ آمنتَ {قَالَ} إبراهيم {بَلَى} آمنتُ {وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بما تريني {قَالَ} الله تعالى {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ} أي أربعة أجناس من الطير من كلّ جنسٍ واحد {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} أي أمِلهنّ إليك ، والمعنى أمِلْ قلوبَهنّ بأنْ تضعَ لهنّ الطعام أيّاماً حتّى يتعوّدْنَ إليك فإذا دعَوتَهنّ يأتينك سريعاً ، بقال صرته أصوره ، أي أمَلتُه ، ومن ذلك قول الشاعر :  " يصورُ عنوقَها أحوى زنيمُ " يعني أعناق تلك الغنم تيسٌ أحوى ، وقال أعشى ميمون :

إذا تقومُ يضوع المسك أصورةً     والزنبقُ الوردُ من أردانِها شَمِلُ

يعني تفوح رياح المسك منها يميناً وشمالاً .

وقال جرير :

أنكَرْنَ عَهدَكَ بعدما عرَّفنَه     ولقد كنّ إلى حديثِكَ صورا

أي كنّ مائلاتٍ إلى حديثكَ يستمعْنَه .

وقال لبيد :

إنّي أقاسي خُطوباً ما يقومُ لَها     إلاّ الكرامُ على أمثالِها الصبُرُ

مِنْ فقدِ مولىً تَصورُ الحيَّ جَفنتُه     أو رزء مالٍ ، ورِزءُ المالِ يُجتَبَرُ

فقول الشاعر " تَصورُ الحيَّ جَفنتُه" يعني يَميلون إلى جفنتِه لِيأكلوا مِنها لأنّهم تعوّدوا على ذلك .

   ومعنى الآية : فعوِّدْهنّ الرجوع إليك إذا ناديتهنّ ، والطيور التي أخذها إبراهيم كانت من التي تُجنى في الدار كالدجاج والبط والطاووس ودجاج الهند {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا} أي واحداً من تلك الأربعة ، {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} على أرجلِهنّ مسرعاتٍ في سيرهنّ وذلك لِما تعوّدْنَ عليه من الطعام والشراب ، وهذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم والمعنى : يقول الله تعالى يا إبراهيم لا فناء للنفوس ولا معاد    للأجسام ، بل النفوس باقية لا يعتريها نقص ولا خلل ، فإذا صار يوم القيامة يناديهم إسرافيل فيلبّون دعوتَه ويجتمعون إلى المنادي مسرِعين كما تدعو الطيور فتأتيك مسرعة ، وذلك كقوله تعالى في سورة الإسراء {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} ، وقال أيضاً في سورة الروم{وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} .

 

س 36 : لماذا خصّ الطيور بِهذا المثل دون غيرِها من الحيوانات ، ولماذا خصّ أربعة منها ؟

ج : إنّما خصّ الطيور التي يصعب عليها الطيران كالدجاجة والطاووس وغيرها ؛ لأنّ الإنسان لولا ثقل جسمه لأمكنَ النفس أن تطير في الفضاء : كما أنّ الدجاجة لولا ثقل جسمِها لَأمكنها أن تطير ، وخصّ أربعةً من الطيور لأنّ البشر على أربعة أقسام ، فكلّ نوع من الطيور يمثّل نوعاً من البشر .

  الصفحة اللاحقة

الصفحة السابقة    

 فهرس الْمُحتويات

  الصفحة الرئيسية

 

    Man after Death   An Hour with Ghosts   The Universe and the Quran   The Conflict between the Torah and the Quran   الخلاف بين التوراة و القرآن     الكون والقرآن   المتشابه من القرآن   ساعة قضيتها مع الأرواح  

Order Xenical here.